أخبار عاجلةدين ودنيا

الإسلام هو الحل (2)

علي أحمد حمّاد

لم تكن أخطر ضربة أصابت المسلمين أن دخل المستعمر بلادهم بجيوشه، ثم خرج منها وترك وراءه حدودًا ممزقة، وقوانين غريبة، ونخبًا مأخوذة بثقافته. الأخطر من ذلك أنه ترك في عقولنا طريقة جديدة في النظر إلى الدين؛ أن يكون الإسلام في المسجد، أما الدولة فلها قانونها، والسوق له منطقه، والإعلام له سلطانه، والتعليم له فلسفته، والأسرة لها “تطورها”، والعالم له نظامه.

وهكذا بقينا مسلمين في الشعائر، لكننا صرنا نعيش في كثير من شؤوننا بمنطق علماني لا نسميه علمانية. نصلي ونصوم ونحب القرآن، لكن حين نتحدث عن السياسة قلنا: الدين شيء، والحكم شيء آخر. وحين نتحدث عن الاقتصاد قلنا: السوق له قوانينه. وحين نتحدث عن المجتمع قلنا: لكل إنسان حريته، ولا شأن لنا به. وحين نتحدث عن التعليم قلنا: المهم أن نصنع موظفًا ناجحًا، لا إنسانًا صالحًا.

العلمانية التي نتحدث عنها هنا ليست بالضرورة أن يعلن الإنسان عداءه للدين، أو أن يكره الصلاة والمسجد والقرآن. قد يكون الإنسان مصليًا صائمًا، لكنه يحمل في داخله تصورًا علمانيًا دون أن يشعر؛ حين يقبل أن يكون الإسلام حاضرًا في ضميره، غائبًا عن قوانينه؛ حاضرًا في جنازته وزواجه، غائبًا عن اقتصاده وسياسته وإعلامه؛ حاضرًا في الموعظة، غائبًا عن صناعة الحياة.

خذ مثلًا موقف كثير من المسلمين اليوم من الديمقراطية. تجد من يرى فيها الخلاص المطلق، والنظام الأعلى، والغاية التي ينبغي أن نصل إليها، وكأن مشكلة الأمة كلها أنها لم تتشبه بالنموذج السياسي الغربي كما ينبغي. ولا نقول هنا إن كل آلية انتخاب أو شورى أو تداول سياسي مرفوضة لأنها جاءت من الغرب، فهذا تبسيط لا نريده. لكن المشكلة حين تتحول الديمقراطية من أداة يمكن النظر فيها والاستفادة من بعض آلياتها، إلى مرجعية عليا تحدد الحق والباطل، والحلال والحرام، ومصدر الشرعية، ومعنى الإنسان والمجتمع والدولة.

في التصور الإسلامي، الأمة ليست قطيعًا يُساق، والحاكم ليس إلهًا، والناس ليسوا عبيدًا للسلطة. لكن في الوقت نفسه، ليست إرادة الأكثرية مصدر الحق المطلق. الحق له مرجعية، والعدل له ميزان، والحرية لها حدود، والسياسة ليست لعبة أرقام فقط. لذلك جاء الإسلام بالشورى والبيعة والنصيحة ومحاسبة الحاكم والعدل بين الناس، لكنه لم يجعل الإنسان مشرّعًا من دون الله، ولا جعل الأكثرية معصومة من الهوى والضلال.

وخذ مثالًا آخر: عبارة “حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين”. جملة براقة يرددها كثيرون كأنها خلاصة الأخلاق. وفيها قدر من الصحة من جهة منع الاعتداء المباشر على الناس، لكنها ناقصة جدًا في الميزان الإسلامي. فالمسلم لا يعيش وحده في جزيرة خاصة، ولا يرى المنكر ثم يقول: ما دام لا يمسني فلا شأن لي به. الإسلام جعل الأمة جسدًا واحدًا، وجعل النصيحة من الدين، وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان للمجتمع، لا فضولًا في حياة الناس.

نعم، لا يعني الأمر بالمعروف أن نتحول إلى قضاة على الخلق، ولا يعني النهي عن المنكر أن نعتدي أو نفتش أو نُغلظ بلا حكمة. لكنه يعني أن المجتمع المسلم ليس مجتمعًا أنانيًا باردًا، يرى الإنسان يحترق ثم يقول له: هذه حريتك الشخصية. في الإسلام، الرحمة تقتضي النصيحة، والأخوة تقتضي التذكير، والحرية لا تنفصل عن المسؤولية أمام الله والناس.

ومن هنا نفهم خطورة اختزال الإسلام. فهناك من يريد إسلامًا لطيفًا هادئًا، لا يتدخل في التشريع، ولا في قضايا المجتمع، ولا في قواعد التربية، ولا في السلوك العام. إسلامًا يبارك الصلاة والصيام، لكنه يصمت أمام الربا، والظلم، والانحلال، والاستبداد، وفساد الإعلام، وتفكك الأسرة. إسلامًا يرافق الإنسان إلى المسجد، ثم يتركه على باب البرلمان والبنك والجامعة والشاشة.

لكن هذا ليس الإسلام الذي أنزله الله، ولا الإسلام الذي ربّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ولا الإسلام الذي بنى في المدينة جماعة ودولة وأمة. الإسلام عقيدة وعبادة، لكنه أيضًا خلق وقانون، وسوق وسياسة، وأسرة ومجتمع، ودعوة وجهاد، ورحمة وعدالة، ودين ودنيا.

ولذلك فإن قولنا “الإسلام هو الحل” لا معنى له إذا كنا نقصد إسلامًا محبوسًا في الزاوية التعبدية فقط. كيف يكون الإسلام حلًا وهو ممنوع من الكلام في الاقتصاد؟ وكيف يكون حلًا وهو غائب عن السياسة؟ وكيف يكون حلًا وهو مطرود من الإعلام والتعليم والأسرة؟ بل كيف نطلب من الإسلام أن ينقذ الأمة، ثم لا نسمح له أن يدخل ميادين مرضها؟

في المقال القادم نقترب من السؤال الأعمق: ما الحداثة الغربية التي أعادت تشكيل عقولنا حتى صرنا نفصل الدين عن الحياة ونحن نظن أننا ما زلنا نفهم الإسلام كما أُنزل؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى