السرطان تحت المجهر..
حوار شامل مع الدكتور أمير مصاروة حول المرض الأكثر إثارة للقلق
مارِيّة محاجنة
في سياق نشر الوعي الصحي وتعزيز الثقافة الطبية في المجتمع العربي، حاور موقع موطني 48 الدكتور أمير أحمد مصاروة، اختصاصي علاج الأورام السرطانية والباحث في مجال الأورام، في لقاء يتناول أحد أهم الملفات الصحية التي تمس كل أسرة، وهو مرض السرطان.
موقع موطني 48: نود في البداية أن تعرّفونا بأنفسكم، وتخصصكم الطبي، ومجال عملكم والخبرة التي تمتلكونها في علاج الأورام السرطانية؟
مصاروة: أنا الدكتور أمير أحمد مصاروة من مدينة الطيبة. حصلت على درجة الدكتوراة في الطب MD ودرجة الدكتوراه في البحث العلمي PhD من معهد التخنيون في حيفا، إلى جانب درجة الماجستير في إدارة المؤسسات والأنظمة الصحية MHA من جامعة حيفا. أنهيت تخصصي في طب الأورام في مستشفى بيلينسون، وأعمل اليوم طبيبًا اختصاصيًا في علاج الأورام السرطانية.
وإلى جانب عملي الطبي، أهتم بالبحث العلمي، وقد شاركت في عدد من الدراسات. وبفضل الله، قدت فريقًا بحثيًا ساهم في واحدة من أوائل الدراسات المنشورة عالميًا حول الاستجابة المناعية للقاح كورونا لدى مرضى السرطان الذين يتلقون علاجًا فعالًا، وأظهرت أن غالبية المرضى طوّروا استجابة مناعية بعد اللقاح.
موقع موطني 48: كيف تشرحون للقارئ ماهية الأورام السرطانية، وما الفرق بين الأورام الحميدة والخبيثة، وما أكثر أنواع السرطان انتشارًا في مجتمعنا؟
مصاروة: السرطان ليس مرضًا واحدًا، بل مجموعة كبيرة من الأمراض تشترك في أن بعض خلايا الجسم تبدأ بالنمو والانقسام بصورة غير منضبطة، وتتجاوز القواعد الطبيعية التي تنظّم نمو الخلايا وموتها. وقد يبدأ في أي عضو تقريبًا؛ فبعض السرطانات تكوّن كتلة، بينما لا تظهر سرطانات الدم، مثل اللوكيميا، بالضرورة على شكل ورم.
الورم الحميد يبقى عادةً محصورًا في مكانه، ولا يغزو الأنسجة المجاورة ولا ينتقل إلى أعضاء بعيدة، لكنه قد يسبب مشكلات إذا كان كبيرًا أو وُجد في مكان حساس. أما الورم الخبيث فيستطيع غزو الأنسجة المحيطة، وقد تنتقل خلاياه عبر الدم أو الجهاز اللمفاوي إلى أعضاء أخرى، وهي العملية التي نسميها الانتشار.
وفي مجتمعنا العربي، يُعد سرطان الثدي الأكثر شيوعًا لدى النساء، بينما يُعد سرطان الرئة من أبرز السرطانات لدى الرجال، إضافة إلى سرطانات البروستاتا والقولون والمستقيم. وهذا يؤكد أهمية مكافحة التدخين والكشف المبكر.
موقع موطني 48: ما أبرز العوامل التي تزيد خطر الإصابة بالسرطان، وما مدى تأثير الوراثة ونمط الحياة والعوامل البيئية؟
مصاروة: ينتج السرطان غالبًا عن تفاعل عدة عوامل، ولا يكون له في معظم الحالات سبب واحد محدد. ويُعد التقدم في العمر عاملًا مهمًا، لأن التغيرات التي تصيب المادة الوراثية داخل الخلايا تتراكم مع مرور السنوات.
ومن أبرز العوامل التي يمكن الحد منها: التدخين بجميع أشكاله، بما في ذلك النرجيلة والتدخين السلبي، وزيادة الوزن، وقلة النشاط البدني، والغذاء غير المتوازن، والتعرض المفرط للشمس، وتلوث الهواء وبعض المواد المهنية والكيميائية. كما ترتبط بعض العدوى بالسرطان، مثل فيروس الورم الحليمي البشري HPV، وفيروسي التهاب الكبد B وC. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن قرابة أربعة من كل عشرة حالات سرطان ترتبط بعوامل يمكن الوقاية منها.
أما الوراثة، فلها دور مهم، لكنها لا تفسر غالبية الحالات؛ فنحو 5–10% من السرطانات تنتج عن تغير جيني ضار موروث، مثل بعض تغيرات BRCA أو متلازمة لينش. ووجود هذا التغير لا يعني الإصابة الحتمية، لكنه قد يستدعي فحوصات ومتابعة مختلفة.
موقع موطني 48: ما العلامات التي ينبغي عدم تجاهلها، وما الفحوصات الدورية التي تنصحون بها؟
مصاروة: الكشف المبكر يصنع فارقًا حقيقيًا؛ فعندما يُكتشف السرطان قبل انتشاره، تكون خيارات العلاج أكثر، وقد يكون العلاج أقل تعقيدًا، وترتفع فرص السيطرة والشفاء بإذن الله.
ومن العلامات التي تستدعي الانتباه: كتلة جديدة، نزيف غير معتاد أو دم في البول أو البراز، سعال أو بحة صوت مستمرة، صعوبة في البلع، تغير واضح في عادات الإخراج، تغير شامة، قرحة لا تلتئم، فقدان وزن غير مقصود، أو تعب وألم مستمران دون سبب واضح. ولا تعني هذه الأعراض بالضرورة وجود سرطان، لكن استمرارها يستوجب مراجعة الطبيب.
وهناك فحوصات معتمدة للكشف المبكر عن بعض السرطانات، ولا سيما الثدي، والقولون والمستقيم، وعنق الرحم، والرئة لدى ذوي الخطورة المرتفعة. ولا يوجد برنامج واحد يناسب الجميع؛ لذلك أنصح كل شخص بسؤال طبيب العائلة عن الفحوصات المناسبة له بحسب عمره وجنسه وتاريخه العائلي وعوامل الخطورة، بدل إجراء صور أو تحاليل عشوائية.
وتتطور حاليًا فحوصات دم تبحث عن الحمض النووي الورمي المتداول CTDNA، وقد تساعد مستقبلًا على اكتشاف عدة سرطانات من عينة واحدة. لكنها ما زالت قيد الدراسة، ولا تحل حاليًا محل برامج الكشف المبكر المعتمدة، كما أن النتيجة الإيجابية تحتاج إلى فحوصات وصور وربما خزعة لتأكيد التشخيص.
موقع موطني 48: ما أبرز الخيارات العلاجية المتاحة اليوم، وكيف أسهم التقدم الطبي في رفع فرص الشفاء وتحسين جودة الحياة؟
مصاروة: يعتمد العلاج على نوع السرطان ومرحلته وخصائصه البيولوجية والجينية، والحالة الصحية للمريض وأهدافه؛ لذلك قد يتلقى شخصان يحملان التشخيص نفسه علاجات مختلفة.
تشمل الخيارات الجراحة، والعلاج الإشعاعي، والعلاج الكيميائي، والعلاج الهرموني في بعض سرطانات الثدي والبروستاتا، والعلاجات البيولوجية والموجّهة، والعلاج المناعي. وفي بعض سرطانات الدم نستخدم زراعة الخلايا الجذعية أو علاجات خلوية مثل CAR-T.
ومن أهم التطورات الحديثة الطب الدقيق، حيث نفحص أنسجة الورم أو الدم بحثًا عن تغيرات جينية ومؤشرات حيوية تساعدنا على اختيار العلاج الأكثر احتمالًا للنجاح. كما أصبح العلاج الإشعاعي أكثر دقة، وغيّرت العلاجات المناعية والموجّهة مسار عدد من السرطانات المتقدمة، فأصبح بالإمكان السيطرة على بعضها لسنوات، وقد تتحقق استجابات طويلة الأمد، بل والشفاء في حالات محددة بإذن الله.
ومع ذلك، لا تناسب هذه العلاجات كل مريض، ولا يعني ظهورها أن العلاج الكيميائي أصبح قديمًا؛ فهو ما زال أساسيًا وفعالًا في أمراض كثيرة. كما تحسنت جودة الحياة بفضل تطور علاج الغثيان والألم، ودعم التغذية والتأهيل النفسي والبدني.
والرعاية التلطيفية لا تعني التخلي عن علاج السرطان، بل يمكن تقديمها منذ بداية المرض لتخفيف الأعراض ودعم المريض وأسرته بالتوازي مع العلاج. وهذا التقدم من فضل الله أولًا، ثم ثمرة البحث العلمي وجهود الأطباء والباحثين والمرضى المشاركين في الدراسات.
موقع موطني 48: ما أهمية الدعم النفسي والأسري، وكيف يمكن للمجتمع تخفيف الخوف والوصمة؟
مصاروة: تشخيص السرطان لا يؤثر في الجسد فقط، بل قد يصاحبه خوف وقلق وحزن واضطراب في النوم ومخاوف أسرية ومادية. وهذه المشاعر ليست ضعفًا، بل استجابة إنسانية طبيعية.
يبدأ الدعم الجيد بالاستماع إلى المريض واحترام رغبته في معرفة المعلومات والمشاركة في القرار. ومن الأفضل تجنب مطالبته بأن يبقى قويًا دائمًا، ويمكن بدلًا من ذلك القول: أنا إلى جانبك، ماذا تحتاج مني اليوم؟ وقد تكون المساعدة العملية أهم من كثرة النصائح.
وينبغي الحفاظ قدر الإمكان على استقلالية المريض وحياته الطبيعية، واحترام خصوصيته، وعدم نشر تشخيصه دون موافقته. كما يجب تصحيح الأفكار الخاطئة: فالسرطان ليس معديًا، ولا يعني دائمًا الموت، وليس عقوبة. ويستحسن أن تتواصل العائلة مع الفريق الطبي لمعرفة الحقوق والخدمات المتاحة.
ومريض السرطان ليس رقمًا أو تشخيصًا، بل إنسان له كرامة وآمال ودور في أسرته ومجتمعه. ولم أجد أبلغ من وصف النبي صلى الله عليه وسلم لدور المعالج، حين قال لأبي رمثة: «الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها». وما أرقّ هذه الكلمة: إنما نحن رفقاء؛ نبذل العلم والجهد ونخفف عن المريض، لكن الشفاء من الله سبحانه وتعالى.
موقع موطني 48: ما أبرز المفاهيم الخاطئة، وما رسالتكم بشأن الوقاية والكشف المبكر والأمل بالشفاء؟
مصاروة: من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا الاعتقاد بأن العلاج سيضر بالمريض أكثر مما سينفعه، أو أن تشخيص السرطان يعني حتمًا نهاية الحياة، أو أن الخزعة تنشر المرض، أو أن الأعشاب والوصفات غير المثبتة يمكن أن تحل محل العلاج الطبي. وغالبًا تُبنى هذه القناعات على تجربة فردية قديمة ثم تُعمم، رغم اختلاف المرضى والتطور الكبير في علاج الأورام.
لذلك ينبغي ألا يتخذ المريض قراره بناءً على كلام الناس، بل بعد أن يفهم من طبيبه هدف العلاج وفائدته وآثاره الجانبية وبدائله. والتداوي لا يتعارض مع التوكل على الله، بل هو من الأخذ بالأسباب.
وأذكر أنني كنت أتأمل أحيانًا، خصوصًا في الحالات المعقدة، في حدود العلاج وجدواه. لكن عندما قرأت قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقل: اللهم اشفِ عبدك، ينكأ لك عدوًّا، أو يمشي لك إلى جنازة»، تعمّق لدي فهم رسالتنا الطبية.
فالشرع يعلّمنا أن ندعو للمريض بالشفاء، رجاء أن يستمر في عبادة الله وفعل الخيرات ونفع مجتمعه وإعمار الأرض بما يرضي الله. وهذا يشجعنا على بذل أقصى جهد لمساعدة مرضانا على حياة أطول وأفضل، عامرة بالطاعة والخير.
ولا يعني ذلك تقديم العلاج لكل مريض دون تمييز، بل اختيار ما يحقق له أكبر منفعة؛ فقد يكون الهدف الشفاء، أو السيطرة على المرض وإطالة الحياة، أو تخفيف المعاناة وحفظ الكرامة وجودة الحياة.
أما الوقاية فتبدأ بالامتناع عن التدخين، والمحافظة على وزن صحي، والنشاط البدني، والغذاء المتوازن، واللقاحات الموصى بها، وتقليل التعرض للعوامل المسرطنة، مع الالتزام بفحوصات الكشف المبكر المناسبة بعد استشارة طبيب العائلة.
وفي الختام أقول للمريض وذويه: لا تفقدوا الأمل، ولا تجعلوا الخوف أو المعلومات غير الموثوقة تحرمكم من فرصة العلاج. اسألوا، وافهموا، وخذوا بالأسباب، وتوكلوا على الله. ولنا في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نفر من قدر الله إلى قدر الله» معنى عظيم؛ فالعلاج من قدر الله، والطبيب والدواء والعلم من الأسباب التي سخّرها الله لعباده.
وأقول للمجتمع: كونوا مصدر دعم وطمأنينة، ولا تزيدوا خوف المريض بالتجارب السلبية أو الشفقة المفرطة. فهو يحتاج إلى من يسمعه ويحفظ كرامته ويمنحه أملًا واقعيًا.
نسأل الله أن يشفي كل مريض، وأن يمنحه وأهله الإيمان والصبر والطمأنينة والرضا، وأن يجعل ما نقدمه علمًا نافعًا وعملًا خالصًا لوجهه الكريم.