أخبار وتقاريرمقالاتومضات

تركيا وإسرائيل: خصمان حليفان لأميركا.. معادلة تربك الإدارة الأميركية

الإعلامي أحمد حازم

في الحروب يوجد أعداء وحلفاء، وحتى في السياسة الدولية يوجد خصوم وحلفاء. ومن الطبيعي أن يكون لدولة ما خصمان، لكن المشكلة المعقدة تكمن في أن يكون للدولة حليفان لا يطيق أحدهما الآخر. وهذا ما ينطبق على الولايات المتحدة في علاقتها بكل من تركيا وإسرائيل. فالقضية الفلسطينية، بشكل عام، وغزة، بشكل خاص، هما من أهم المواضيع على الصعيد الدولي، وفي هذا الشأن يوجد خلاف كبير جدًا بين موقفي تركيا وإسرائيل.

نشر المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، في 9 حزيران/يونيو الماضي، استطلاعًا أظهر معارضة 61% من الإسرائيليين لترشح بنيامين نتنياهو مجددًا، مقابل تأييد 69% من اليهود المصنفين ضمن اليمين الإسرائيلي لترشحه. ويراهن نتنياهو على مستقبله السياسي مع هذه الكتلة، الأشد تأييدًا للإبادة والاستيطان والضم، والأكثر تمسكًا بعقيدة التفوق العنصري التي تحكم دولة الاحتلال ومؤسساتها العسكرية والسياسية.

كما كشفت استطلاعات الرأي في المجتمع الإسرائيلي أيضًا عن عمق التأييد الشعبي للجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، ومكانتها في المزايدات الانتخابية التي تعكس البنية العنصرية لهذا المجتمع. ففي آذار/مارس 2025، أيد 82% من اليهود الإسرائيليين التطهير العرقي في قطاع غزة، ووافق نحو 47% على قتل جميع سكان أي منطقة تصنفها دولة الاحتلال بأنها “معادية”، مثل غزة.

وأظهر استطلاع للرأي أُجري في أواخر أيار/مايو 2025 موافقة 87% من مؤيدي أحزاب الائتلاف الحاكم على الادعاء العنصري القائل: “لا يوجد أبرياء في غزة”. ويمنح هذا الموقف الشعبي الواضح الجيش الإسرائيلي غطاءً مجتمعيًا مباشرًا لمواصلة القتل والتجويع والتدمير. ووفق استطلاع أُجري أيضًا في آذار/مارس الماضي، فإن 97% من اليهود المصنفين ضمن اليمين الإسرائيلي أيدوا الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، في دلالة واضحة على حجم التأييد الذي يحظى به العدوان العسكري الإقليمي في القواعد الانتخابية التي يستند إليها ائتلاف نتنياهو.

أما تركيا، العضو في حلف الناتو الذي تترأسه الولايات المتحدة، فتدعم رسميًا حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وتُعد تركيا من أبرز الدول الداعمة لقطاع غزة، عبر إرسال عشرات آلاف الأطنان من المساعدات الإغاثية، إلى جانب دعمها المستمر لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). كما أعلنت تركيا انضمامها إلى دعوى الإبادة الجماعية المرفوعة ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وأوقفت جميع التعاملات التجارية مع إسرائيل بشكل كامل للضغط من أجل وقف إطلاق النار في غزة. كذلك توفر تركيا الدعم السياسي لحركة حماس، وتعتبرها حركة تحرر وطني، معارضة بذلك التصنيفات الغربية لها. كما تسعى إلى التنسيق الدبلوماسي مع الدول العربية الفاعلة، مثل مصر والسعودية، لبلورة موقف دولي ضاغط يضمن حماية حقوق الشعب الفلسطيني.

هذه هي المعضلة الأميركية اليوم. فترامب يتمتع بعلاقة شخصية قوية مع بنيامين نتنياهو، وهو الذي دعمه بالمال والعتاد في حربه على غزة، كما يتمتع أيضًا بعلاقة قوية مع رجب طيب إردوغان. لكن، وكما يرى محللون، لم تعد العلاقة بين تركيا وإسرائيل مجرد توتر دبلوماسي فحسب، بل تحولت إلى منافسة استراتيجية مفتوحة تمتد من غزة إلى سوريا، ومن شرق المتوسط إلى توازنات حلف شمال الأطلسي. فالمصالح تبقى سيدة الموقف في كل زمان ومكان، ومصلحة أميركا الآن فوق كل شيء. وترامب يريد استغلال ما تبقى له من ولايته للعمل، كما يقول، من أجل شعبه، أي من أجل اقتصاد بلاده. وبعد سنتين ستنتهي رئاسة ترامب، وسيعود رجل أعمال، وهو بحاجة إلى دعم إردوغان له في سوريا، التي يتمتع فيها الرئيس التركي بنفوذ واسع، لا سيما أن سوريا ستشهد استثمارات هائلة، وترامب يريد أن يحظى بحصة من هذه الكعكة.

في قمة الناتو الأخيرة، فعل ترامب ما لم يكن في الحسبان، إذ فتح الباب أمام احتمال إعادة بحث صفقة بيع مقاتلات F-35 إلى تركيا، وهو ما يُعد ضربة موجعة لنتنياهو. كما يُعتبر، في حال إتمام الصفقة، تغييرًا في ميزان القوى في الشرق الأوسط لصالح تركيا برغبة أميركية، في وقت كان نتنياهو يضغط على ترامب كي لا يمنح أنقرة أنظمة تسليح متقدمة، معتبرًا أن ذلك قد يخل بميزان التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة.

القضية بالنسبة لترامب ليست تغييرًا في الموقف، ولا مشكلة أخلاقية أو سياسية، بل هي صفقة من صفقات ترامب، الذي قال ذات مرة: “هذه معادلة صفقات: كيف أستفيد من الاثنين من دون أن أسمح لأحدهما بتعطيل الآخر؟”. وقد يكون ترامب على حق، فهو لم يحاول إخفاء علاقته الجيدة بالرجلين؛ فقد وصف إردوغان ونتنياهو بأنهما “رائعان”، وقال إنه يحب إردوغان، وفي الوقت نفسه حافظ على لغة التحالف الوثيق مع نتنياهو.

ترامب، وعلى ما يبدو، لا يريد أن يختار بين تركيا وإسرائيل، فهو، بحسب بعض المحللين، يحتاج إلى إسرائيل حليفًا عسكريًا واستخباريًا متقدمًا، وضامنًا للتفوق الأميركي في مواجهة إيران. لكنه يحتاج أيضًا إلى تركيا، القوة الأطلسية الكبرى، التي تملك موقعًا حاسمًا بين أوروبا وآسيا والبحر الأسود والشرق الأوسط، وتتمتع بنفوذ مباشر في سوريا وأوكرانيا وملفات الطاقة والهجرة. وبمعنى آخر، لا تستطيع إسرائيل أن تكون تركيا، ولا تستطيع تركيا أن تكون إسرائيل.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى