أخبار وتقاريرمقالاتومضات

هل نجرؤ ونعترف؟

الشيخ رائد صلاح

دفعًا لأي سوء فهم، أقول سلفًا إن المؤسسة الرسمية الإسرائيلية هي في دائرة المشبوه في سياسة تعاطيها مع نكبة العنف التي تجتاح مجتمعنا بلا رحمة في الداخل الفلسطيني. وأقول سلفًا إن الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية هي التي سهلت الطريق لمئات المأزومين من شبابنا، وغضت الطرف عن غرقهم في نكبة العنف ما بين قاتل ومقتول، وما بين تاجر مخدرات أو سمسار، أو وكيل في السوق السوداء، أو مستبيح لفرض الخاوة بالقوة على المستضعفين منا.

وأقول سلفًا إن أزمات اجتماعية عصفت بمجتمعنا ساهمت في توفير الأرضية الخصبة لتغلغل نكبة العنف فينا حتى النخاع. وهذه الأزمات الاجتماعية قد تكون أزمة البطالة، وقد تكون أزمة التسرب من التعليم، وقد تكون أزمة الحياة تحت خط الفقر. وقد تكون أزمة السكن وعدم توفير مساكن للأزواج الشابة، وقد تكون أزمة انسداد الأفق وفقدان الأمل لدى بعض شبابنا.

وأقول سلفًا إن تعمق الفردانية فينا، إلى جانب الإقبال الفاجر على الدنيا، وضعف هيبة الدين، وإقصاء ميزان الحلال والحرام، ووهن الانتماء، والتنافس على الربح السريع، وخلخلة القبض على الثوابت، واستدبار القيم، وفك الارتباط مع الأخلاق، كل ذلك قد أجج من نار العنف فينا. فبدأ العنف يجرحنا، ثم واصل نموه وراح يقتلنا، ثم واصل تضخمه وبات يحصدنا.

ومع ذلك لا زلت أتساءل وأسأل نفسي: هل نجرؤ ونعترف؟

1- هل نجرؤ ونعترف أننا كقوى سياسية ذات ألوان مختلفة قد فشلنا في المحصلة أن ننشر ثقافة قيم وانتماء وانضباط كيما تكون بمثابة المناعة الداخلية في مسيرة مجتمعنا، وكيما تكون القوة الطاردة لأي محاولة لإدخال نكبة العنف أو تغلغلها فينا؟

وحتى لا أغمط حق أحد، فقد سعت مدارس الصحوة الإسلامية في الداخل للقيام بهذا الدور، ولكن وبعد كل ما قامت به ظلت هناك في المحصلة حالة فراغ في مجتمعنا، وفقدان المناعة الداخلية، وانعدام القوة الطاردة لأي محاولة لاختراقنا في سلوكنا وآدابنا وروابطنا الأسرية والاجتماعية.

وكم كان سهلًا على وباء العنف، وعلى من سهلوا له الطريق من غيرنا، وعلى من روجوا له منا، أن يملأ الفراغ الذي اتسع فينا وطال في مسيرة مجتمعنا. وإذا بنا خلال بضع سنوات قد أصبحنا في خطر انهيار من الداخل، وبات الحليم فينا حيران، وبات خرقنا يتسع فينا، وأصبحنا مع نكبة العنف كما قال الحديث النبوي الشريف: «كلما قيل انقضت تمادت».

فهل نجرؤ ونعترف أن قوانا السياسية على اختلافاتها قد غفلت في المحصلة عن القيام بهذا الواجب، وقد فشلت في ملء هذا الفراغ المجتمعي الذي نخر فينا، فملأه غيرنا بكل هجين ومصادم لقيمنا وثوابتنا وانتمائنا؟

وقد ينكر عليّ البعض منا ما أقول، وهذا حقه وأحترم حقه. ولكن من حقي أن أتساءل: ما هو البرنامج الذي تبنته أية من قوانا السياسية على مدار العقود الماضية لملء هذا الفراغ؟ وإذا كان هناك برنامج وأنا لا أراه، فأين هي الجهود التي بذلتها أية من قوانا السياسية لتجذير قيمنا وثوابتنا وانتمائنا في فهم وسلوك مجتمعنا؟

وسلفًا أقول، حتى أحسن أن أعبر عن نفسي: أنا لا أقصد الخطاب والنشاط الذي تناول ملف الأرض وحق العودة والمسكن والمقدسات، بل أقصد ما يتعلق بصميم قيمنا وثوابتنا وانتمائنا.

ولتوضيح الواضح أقول: قد يكون البعض منا قد كتب مقالة، أو نظم قصيدة شعرية، أو ألقى خطبة جمعة، أو تحدث في حوار إعلامي، أو عرّج في محاضرة متحدثًا عن قيمنا وثوابتنا وانتمائنا. ولكن مثل هذه النشاطات ليست هي الواجب المطلوب، ولا يمكن لها أن تملأ ذاك الفراغ المجتمعي الذي غفلنا عنه بالبريق المالي أو الإعلامي أو السياسي أو الحزبي أو الوجاهي.

ولم نسأل أنفسنا بعد أن غرقنا بالبريق: من سيطفئ الحريق؟ من سينقذ الغريق؟ من سيسلك الطريق؟ من سيسكت الزعيق والنعيق والشهيق؟

ثم طالت غفلتنا حتى استيقظنا على داء العنف قد دبّ فينا حتى أفسد، ويكاد أن يصل إلى عظامنا. وقد يقول المتحمس فينا إذًا: هيا نسعى فورًا لتدارك هذا التقصير ولنقم بملء هذا الفراغ. ولكن هل هناك برنامج توجيهي شعبي تملكه قوانا السياسية حول القيم والثوابت والانتماء لملء هذا الفراغ؟

وأظن أن الجواب على هذا السؤال معروف للصغير قبل الكبير فينا. فما أسهل أن نتحدث عن طموحنا للوصول بمجتمعنا إلى الحصانة المجتمعية، ولكن كيف لنا أن نحقق هذا الطموح المنشود المفقود إذا كنا لا نملك هذا البرنامج التوجيهي الشعبي الترشيدي التغييري التصويبي؟

أقول ذلك وأنا أتذكر البيان القرآني العظيم: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} “سورة الرعد، آية 11”، وأنا أتذكر قول الحكيم: (فاقد الشيء لا يعطيه)، وأنا أتذكر قول الإمام الجيلاني رحمه الله تعالى: (يا غلام، إنما يقود الناس بصير، لا يقود الناس أعمى).

2- حتى لا يظن ظانٌّ أنني أستهين بملفات الأرض والمسكن وحق العودة والمقدسات وهبة القدس والأقصى وهبة الكرامة وهبة الروحة، أقول مؤكدًا: نحن في تقصير كذلك مع هذه الملفات.

وكم أتمنى أن نعيد النظر في جدلية علاقتنا مع كل هذه الملفات حتى لا تصبح في عداد الموءودات. وكم أتمنى أن نجدد نبض العلاقة الحية مع كل هذه الملفات، وأن لا نقف في علاقاتنا معها في حدود مظاهرة أو مسيرة أو اعتصام أو نشرة حزبية.

وكم أتمنى أن نبتكر نشاطًا جديدًا مشروعًا مع كل هذه الملفات ومستديمًا، بمعنى أن لا نقدم التحية للأرض إلا في يوم الأرض فقط، وأن لا نقدم سلام الوفاء لحق العودة إلا في يوم العودة فقط، وأن لا نقدم عهد التلاحم مع مقدساتنا إلا في أيام التواصل مع هذه المقدسات فقط، وهكذا.

بل نحن مطالبون أن نتواصل مع الأرض قبل يوم الأرض وبعده تواصلًا مستديمًا لا موسميًا، وهكذا يجب أن يكون حالنا مع حق العودة والمقدسات وسائر الملفات.

والويل ثم الويل لنا إن رضينا لأنفسنا الاكتفاء بما هو موسمي سنوي لرسم علاقاتنا مع كل هذه الملفات.

وكم لفت انتباهي قول عضو في جمعية حقوقية زارني خلال الحبس المنزلي في لندن بعد السجن الفعلي في سجن بيدفورد في عام 2011، حيث قال لي خلال تلك الزيارة: إن أحد عيوب نضالكم أنه نضال موسمي، فأنتم تنشطون مع ملف الأرض فقط في يوم الأرض فقط، ثم تغفلون عن هذا الملف حتى عودة يوم أرض آخر، وهكذا أنتم مع سائر ملفاتكم. وأظن أنه قد صدق.

ولو دبت فينا الروح من جديد، ولو قررنا أن نجرؤ ونعترف أننا في علاقة تقصير لا عذر له مع هذه الملفات، ولو جددنا العهد الحي مع كل هذه الملفات، ولو ابتكرنا نشاطات جديدة مشروعة مع كل هذه الملفات، لو قمنا بكل ذلك، أظن أننا سنحدث حراكًا حيًا في حياة مجتمعنا بعامة، وفي حياة شبابنا بخاصة.

وأظن أن هذا الحراك سيملأ مساحة واسعة من فراغ مجتمعنا وشبابنا، وأظن أنه سيحدث يقظة راشدة ستصرف الكثير منا عن غول العنف، وستدفعنا من جديد للسير على صراط مستقيم، ولسان حال كل واحد منا يقول: عائدٌ إلى قيمي وثوابتي وانتمائي.

فهل نجرؤ ونعترف بتقصيرنا حتى يكون هذا الاعتراف دافعًا لنا نحو التغيير الأحسن في مشهد عودة مجتمعية للأحسن؟ وإذا ما قامت فينا هذه العودة المجتمعية، فما أسهل عليها بعد ذلك أن تقتلع هالوك العنف من جذوره.

ولذلك أربأ بكل عاقل فينا ألا يصور لمجتمعنا الكادح المنهك أن مفتاح حل كل مصائبنا بعامة منذ سقوط الأندلس، بما في ذلك مصيبة العنف، يكمن في هذا السؤال: هل سنصوت في انتخابات الكنيست؟ وهل سنصوت لقائمة واحدة أو أكثر؟

3- إلى جانب دور الدولة العميقة الإسرائيلية في استدراج أجيال من شبابنا إلى حمأة العنف، وإلى جانب حزمة العثرات الكثيرة والمختلفة التي كانت قد وقعت فيها هذه الأجيال من شبابنا والتي ساهمت باندفاعها إلى حمأة العنف، وإلى جانب ضعف دور البيت والأسرة التدريجي في حفظ هذه الأجيال المتعثرة من شبابنا، وإلى جانب ضعف دور المدرسة كمؤسسة تربوية وترشيدية وتعليمية، وإلى جانب انحراف قطاعات واسعة من مجتمعنا نحو الفردانية والتنافس على توافه الحياة، إلى جانب كل ذلك يجب أن نجرؤ ونعترف أن قوانا السياسية في المحصلة غفلت عن هذه الأجيال المتعثرة من شبابنا، ولم تمد لها يدًا حتى تنقذها أو حتى تشعرها أنه يهمها حال هذه الأجيال المتعثرة التي ازدادت مع الأيام عددًا وحضورًا وتأثيرًا، مما صبّ في تأجيج نار العنف في مسيرة مجتمعنا.

ومرة أخرى أقول، وحتى لا أغمط أحدًا حقه، فقد بذلت مدارس الصحوة الإسلامية مجهودًا في هذا الاتجاه وأنقذت الآلاف من هؤلاء الشباب، وهناك بعض قوانا السياسية الأخرى التي سعت إلى احتضان بعض شبابنا في المرحلة الثانوية والجامعية، ولكن ظل الكثير من شبابنا في المقابل بلا اهتمام منا وبلا بذل جهد من قوانا السياسية لاحتضانهم.

ويرحم الله تعالى تلك الأيام التي مرت على شبابنا في أم الفحم على سبيل المثال، حيث كان الغالب منهم إذا سُئل عن عنوان انتمائه قال: أنا عضو في الحركة الإسلامية – قبل حظرها إسرائيليًا -، أو أنا عضو في الجبهة، أو أنا عضو في أبناء البلد.

لقد اختفت هذه الظاهرة إلا من مسيرة المئات من شبابنا حيث لا يزال لهم انتماء يرعاهم، فماذا عن عشرات الآلاف من الشباب الآخرين؟ لقد غفلنا عنهم ولا عذر لنا، ولا تزال هذه الغفلة في مسيرة قوانا السياسية في المحصلة.

فهل ننتبه ونتدارك هذه الغفلة التي طالت على مدار عقدين ماضيين على الأقل؟ وهل سنضم جهدنا كقوى سياسية إلى جانب جهود لجان شعبية وحركات شبابية ولجان إصلاح ولجان نخوة كانت ولا تزال تسعى إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من شبابنا؟

4- ليس من باب جلد ذاتي ولا من باب جلد ذات غيري، إذا قلت يجب أن نجرؤ ونعترف أن معظم المسؤولين منا في مختلف قوانا السياسية، أو حتى المسؤولين المحليين العاملين في سلك السلطات المحلية العربية، لم يقدموا من أنفسهم النموذج الصالح لشبابنا حتى يحتذي به هؤلاء الشباب، أو حتى يشعر هؤلاء الشباب أن لهم نموذجًا صالحًا يمكن لهم أن يلجأوا إليه في نوائب الدهر، أو يمكن أن يقلدوه في سلوكه وعطائه وتضحياته.

وهكذا سمع شبابنا الكثير منا ولم يروا منا النموذج السلوكي المطلوب.

وما بات يسمعه شبابنا عن بعض هؤلاء المسؤولين، ولا أعمم، أن المسؤول الفلاني (س) تحوم حوله شبهة مالية من العيار الثقيل، أو شبهة تسلط سياسي ضمنت له الحرص على منصب رسمي منذ عشرات السنوات، وأن المسؤول الفلاني (ص) له نفوذ وكلمة مسموعة لدى حزمة من الصناديق المانحة الرأسمالية الاستعمارية أو الصناديق المانحة المرتبطة ببلاط أنظمة عربية ثرية المال.

وأن هذا النفوذ والكلمة المسموعة مكنت هذا المسؤول (ص) من أن يعطي من يشاء وأن يمنع من يشاء بهدف تضخيم نفوذه السياسي، وبهدف تجذير فتنة المال السياسي في مسيرة قطاع مستغفل من مجتمعنا، وخاصة الشباب.

فيوم أن تقف الأجيال من شبابنا على كل هذه الروايات، فأي ثقة ستبقى لها في هؤلاء المسؤولين؟ ولعلها تفقد ثقتها في كل المسؤولين، فكيف نرمم كل ذلك؟ سيما وأنه انتهى ذاك الزمان الذي كان الشاب يكتفي فيه بسماع كلمة أو قراءة مقال للمسؤول الفلاني منا.

نعم مر ذلك الزمان ولن يعود، لأن الشباب اليوم لا يزال يبحث عن النموذج السلوكي العملي كي يستأنس به في ظلمة هذا العنف المرعب الذي خيم علينا.

وما زاد الطين بِلَّةً، دور مؤسسات فكر نسوي منحرف ساهمت في تعميق العنف فينا رغم اليافطات البراقة التي تطلقها على نفسها، ومع شديد الأسف وجدت الدعم من بعض المسؤولين فينا.

5- هل نجرؤ ونعترف بكل ذلك، مذكرين أنفسنا ومجتمعنا أن الفوضى في الخارج كما أنها تنبع من الفوضى في الداخل، فإن العنف في الخارج ينبع من العنف في الداخل؟

مع التأكيد على دور المؤسسة الإسرائيلية المشبوه في سياسة تعاطيها مع نكبة العنف التي أوقعت علينا، ومع التأكيد على دور الدولة العميقة الإسرائيلية التي سهلت تغلغل العنف فينا حتى النخاع، ومع التأكيد أن مجتمعنا في أصله طيب وإن فقد مؤقتًا المناعة المجتمعية الطاردة للعنف، ومع التأكيد على خطاب التفاؤل الذي يجب أن نفشيه في كل مكونات مجتمعنا، والذي يرسخ فينا أن نكبة العنف هي طارئة على مجتمعنا، وهي هجينة على مجتمعنا، مجتمع التراحم والتكافل والتسامح.

وهي نكبة عنف زائلة لا محالة، وسنعود كما كنا، وكأننا على مائدة طعام واحدة.

8

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى