أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

معركة الوعي (48): استعادة الوعي والموقف من الانتخابات القادمة

حامد اغبارية
مع تحديد موعد رابع لانتخابات الكنيست الصهيوني في آذار القادم، بعد سقوط حكومة الفشل ذات الرأسين، بات من الضروري أن يفهم المواطن الفلسطيني في الداخل إلى أين هو ذاهب، وما هي خياراته الحقيقية، وماذا عليه أن يفعل حتى يمكنه تأكيد هويته، يضاف إليه الإدراك التام للطريق الذي عليه أن يسير فيه كي يحقق مطالبه وطموحاته، دون أن يخسر مقوّما واحدا من مقومات انتمائه.
ولعل أكثر قضية تتنازعها الأحداث في حياة مجتمع الداخل هي قضية الهوية والانتماء. فمع كل انتخابات كنيست يطفو هذا الملف على السطح، لأنه في الحقيقة يفرض نفسه بقوة على المشهد، بسبب انقسام الشارع حول الانتخابات. ولذلك لا عجب أن يمتلئ فضاؤنا السياسي في ذروة الحملات الانتخابية المحمومة بنقاشات ساخنة حول هذه المسألة، وهو نقاش فرضه واقع صعب ومعقد، ساهمت الأحزاب العربية المشارِكة في الانتخابات في تشكيله، بعد أن تعرّض المواطن لعمليات غسيل دماغ ممنهجة على مدار سنوات طويلة، التقت فيها تلك الأحزاب مع المؤسسة الإسرائيلية على ذات الهدف؛ وهو تشكيل مواطن عربي إسرائيلي، ينتمي إلى مجرد أقلية مهضومة الحقوق اليومية، ومن ثمّ فإن جهود المواطن يجب أن تصبّ في هذا الاتجاه فقط.
لا يكفي هذا..
فالمسألة تحتاج إلى صراحة أكبر!!
لقد نجح المشروع الصهيوني، إلى درجة كبيرة، ومعه- للأسف- شريحة من أبناء شعبنا في مقدمتها شخصيات وهيئات وتيارات سياسية، في غسل أدمغة جزء لا يستهان به من مجتمعنا، وفي تدجينه بأشكال وصور متعددة، كي يبقى هذا المجتمع ضعيفا مفككا لا يفكر بتغيير واقعه الذي فرض عليه بعد النكبة. وكانت أهم مسألة عمل المشروع الصهيوني على ترسيخها، بعد أن أجرى عام 1948 عملية تطهير عرقي لم تكتمل، هي فصل المواطن الفلسطيني الذي بقي في وطنه عن محيطه الفلسطيني الأكبر، وعن محيطه العربي الواسع وعن محيطه الإسلامي الأوسع. وبعد سنوات من البطش النفسي والفعلي أثناء فرض الحكم العسكري، وجد الفلسطيني في الداخل نفسه في مهب الريح، لا يدري فعلا ما يفعله، ولا كيف عليه أن يتصرف إزاء هذه الحالة غير المسبوقة، والتي أصبحت أمرا واقعا ساهمت قوى سياسية في ترسيخه. ولا أقصد فقط الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي كانت له الأسبقية في أداء هذا الدور القبيح، ولا الشخصيات ذات التأثير العائلي والعشائري التي مارست هي الأخرى أقبح الأدوار في خدمة المشروع الصهيوني، بل إن غالبية التيارات السياسية التي نجدها اليوم أمامنا تمارس ذات الدور بصور وأشكال متعددة. وإن أخطر ما في الموضوع أنها تمكنت- نوعا ما- من إضفاء الصبغة الوطنية على هذه الممارسات، بعد أن كان هذا السلوك في سنوات الستين والسبعين منافيا لكل معاني الانتماء والحس الوطني.
من أجل ذلك فإن المعركة الحقيقية ليست معركة انتخابات، ولا هي مسألة من يفوز ومن يخسر، ومن يحقق مقاعد أكثر في الكنيست، بل إن المعركة هي معركة وعي: هل من الوعي أن ننجرّ كالقطيع إلى الحالة الإسرائيلية ونغرق فيها حتى الأذنين، أم نصحح المسيرة والمسار ونسير في الطريق الذي عملت كل تلك القوى على حرفِنا عنه طوال أكثر من سبعة عقود؟
هذه هي المعركة الحقيقية…!
لقد أثبتت أحداث وتداعيات المشهد الأخير الذي سبق سقوط حكومة الرأسين وحل الكنيست وتحديد موعد لانتخابات رابعة خلال سنتين، أن كل “البطولات والإنجازات والشعارات” التي سوقتها (وسوّغتها) القوى السياسية اللاهثة خلف الأصوات لم تكن سوى أوهام ومسلسل طويل من الأكاذيب وممارسة الخداع على الجمهور. ولا أرى داعيا للتفصيل في ممارسات القائمة المشتركة ودورها في خلق هذه الحالة العبثية. فالمشهد حاضر في أذهان الجميع، حتى بات كل مواطن يحفظ تفاصيله عن ظهر قلب.
إن علينا في ظل هذا المشهد، الذي يسبق انتخابات الكنيست القادمة، أن نثبت أننا شعبٌ له هوية وله انتماء وله كرامة، وأننا لسنا مجرد قطيع تُلقى له الفتات فيركض نحوها لا يلوي على شيء. والحقيقة، وبكل صراحة، فإن هناك شريحة من أبناء مجتمعنا تمارس دور القطيع وهي تحسب أنها تحسن صنعا، وفي كل مرة تقع ضحية لمسلسل الأوهام والخداع الذي يمارَس عليها من قيادات الأحزاب. وأنا لا أتحدث عن ذوي المصالح الضيقة أو اللاهثين خلف أموال الانتخابات، فهؤلاء لا علاج لهم، بل أتحدث عن أناس عاديين غُسلت أدمغتهم عبر الأجيال.
علينا أن نثبت أننا ننتمي إلى شعبنا الفلسطيني، وأن ما نعيشه اليوم هو حالة طارئة فرضت علينا، لم نخترها بإرادتنا. نعم، نحن وصلنا إلى مرحلة نحتاج فيها إلى إثبات ذلك!! وعلينا أن نؤكد هويتنا الفلسطينية والعربية والإسلامية، من خلال الممارسة على الأرض وليس بمجرد ترديد الشعار. ذلك أن هذا الشعار نسمعه أيضا من الذين يمارسون عملية الخداع، إلى درجة أنهم جعلوا المشاركة في الكنيست عملا من الأعمال الوطنية، وأن المقاطعة هي خيانة!! إلى هذا الحد وصلنا. بل وصلنا إلى مستوى أصبحت فيه قوى فلسطينية من خارج هذا المجتمع تشارك في عملية الخداع هذه، من خلال التدخل المباشر والفج لإقناع المواطن الفلسطيني في الداخل بالمشاركة في التصويت، حتى ظهرت المسألة وكأن تحقيق طموحات الشعب الفلسطيني لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الكنيست، وأكثرهم “واقعية” يوهمك أن المشاركة في الكنيست رافد من روافد تحرر الشعب الفلسطيني من الاحتلال. هذا الدور مارسته وتمارسه وستمارسه القوى الفلسطينية التي هي نتاج أوسلو، سواء من السلطة الفلسطينية أو من فصائل داخل منظمة التحرير.
إن علينا أن نركُل كل هذا ونتخلص من ذلك “الدمّل” الذي التصق بنا، من خلال تصحيح اتجاه بوصلة شعبنا إلى حيث يجب أن تكون.
إننا نملك القدرة والإمكانات والدوافع والأسباب والدواعي والإرادة لتطوير عملنا الذي من خلاله نُحيي مجتمعنا الفلسطيني في الداخل بقدراتنا الذاتية، بعيدا عن أكذوبة الكنيست التي اتضح لكل أعمى وبصير أنها أكبر كذبة يعيشها شعبنا ومجتمعنا على الإطلاق. والنتائج أمامنا يراها كل من كان له قلب أو كان ذا بصيرة.
ما ينقصنا فقط هو الاقتناع بأننا نستطيع، فإن اقتنعنا أمكننا تحقيق ما حرصتْ كل تلك القوى المعطلِّة (المشروع الصهيوني والأحزاب المشاركة في الكنيست والقوى الفلسطينية والأموال المتدفقة كالأنهار من وراء البحار) على ألّا يتحقق.
أنت وأنا اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما أن نختار الطريق الصحيح، وإن كان طويلا شائكا مليئا بالعقبات والمعوقات والصعاب، وإن كان يحتاج إلى تضحيات بالوقت والجهد والمال، ولكنه هو فقط الذي سيوصلنا إلى حيث نريد، وإما أن نختار الطريق الذي يريدنا الآخرون أن نسير فيه…
إن الشعوب الحيّة الساعية إلى التحرر، والتي لها قضية، تعرف تماما أن خلاصها لا يمكن أن يكون في أيدي الذين تسببوا في مأساتها. وإذا كان الاحتلال الإسرائيلي هو المأساة التي يعاني منها شعبنا، فإن الكنيست الصهيوني هو أكبر رموز هذه المأساة… ولنا عودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى