مجزرة قبية والإنكار الإسرائيلي

في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1953، شنّت إسرائيل غارة على قرية قبية الفلسطينية، فارتكبت أول عملية قتل جماعي تنفذها الدولة.
فالقتل العشوائي للمدنيين الفلسطينيين ملازم للصهيونية منذ عام 1948 على الأقل. ومجزرة قبية عام 1953 دليل قاطع على ذلك.
في تلك الفترة، شنّ فلسطينيون طُردوا من أراضيهم خلال حرب 1948 هجمات عدة. ورداً على إحداها، خطط الجيش الإسرائيلي لشن غارة دامية على قرية قبية في الضفة الغربية، وقتل أبرياء. وتثبت هذه الجريمة الجماعية أن ما يجري في غزة من إبادة جماعية يأتي امتدادًا للتاريخ الإسرائيلي منذ نشأة الدولة، وأن الفارق بين تدمير غزة والسياسات الصهيونية في الماضي هو فارق في الدرجة لا في الطبيعة.
إبادة ممنهجة
كان مطلع خمسينيات القرن الماضي مسرحاً لتداعيات حرب 1948، التي طُرد خلالها أكثر من 700 ألف فلسطيني من قراهم، كما تكشف وثائق رفع الجيش الإسرائيلي السرية عنها، فيما ضُمّت أراضيهم إلى إسرائيل، لتشكّل الحدود الجديدة للدولة. حاولت عائلات فلسطينية كثيرة العودة إلى منازلها، وحصاد محاصيلها، وزراعة أراضيها، لكن إسرائيل منعتها من ذلك.
في إبريل/نيسان 1949، أعلن ديفيد بن غوريون، مؤسس الدولة وأول رئيس لحكومتها، بوضوح أن “موقف الحكومة هو أنهم يجب ألا يعودوا”.
عبر آلاف الفلسطينيين الخط الأخضر قادمين من لبنان والضفة الغربية الخاضعة للسيطرة الأردنية وقطاع غزة الخاضع للسيطرة المصرية، إلى الأراضي التي باتت إسرائيل تسيطر عليها.
وفي مارس/آذار 1953، كتبت ياعيل فيرد، وهي مسؤولة رفيعة في وزارة الخارجية الإسرائيلية، أن “التسلل، في معظم الحالات، ناجم عن صعوبات مادية، أو عن تعذر الوصول إلى مصدر الرزق، كأن تكون الحقول على الجانب الآخر من الحدود، أو عن الانفصال عن أفراد الأسرة”.
وخلصت إلى أن “حالات القتل والانتقام المتعمدين نادرة”.
كانت الاشتباكات والمواجهات العسكرية بين المقاتلين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي متكررة آنذاك. وبين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 1953، أسفرت الهجمات الفلسطينية عن مقتل ثلاثة مدنيين إسرائيليين. وفي 13 أكتوبر 1953، عبر مقاتلون فلسطينيون الحدود قادمين من الأردن، وهاجموا مستوطنة “يهود”، الواقعة على بعد 15 كيلومتراً شرقي تل أبيب. قُتلت أم وطفلاها. وسيُطلق اسم شوشانا، الطفلة الصغيرة، على الغارة العسكرية الإسرائيلية التي شُنّت في اليوم التالي. وبدلاً من ملاحقة منفذي الهجمات، فضّل بن غوريون الانتقام والردع الفوريين. في اجتماع مع وزير الأمن بنحاس لافون، ورئيس الأركان مردخاي مكليف، ورئيس العمليات موشيه ديان، قرر استهداف قرية قبية، التي كان يبلغ عدد سكانها ألفي نسمة، رغم أنها لم تكن على ما يبدو على صلة بهجوم اليوم السابق.
في ليلة 14 أكتوبر 1953، هاجم القرية 103 جنود من كتيبة مظليين، إلى جانب 20 جندياً من الوحدة 101، وهي وحدة خاصة أسسها في الجيش الإسرائيلي أرييل شارون، الذي تولى قيادتها لاحقاً وأصبح رئيساً للحكومة. وكانوا قد تلقوا الأمر “بمهاجمة القرية واحتلالها مؤقتاً، وإيقاع أكبر قدر ممكن من الدمار وأكبر عدد ممكن من القتلى، بهدف طرد سكانها من منازلهم”. وأسفرت الغارة عن مقتل 69 من أهل القرية، غالبيتهم من النساء والأطفال، وتدمير 45 منزلاً ومدرسة ومسجد. وأفاد دبلوماسيون أميركيون في عمّان إدارتهم، بوضوح لا لبس فيه، بما جرى: “أباد الإسرائيليون، على نحو منهجي، من كانوا داخل المنازل قبل تفجيرها”. وجاء في برقية من نظرائهم في تل أبيب أن الجيش الإسرائيلي “أطلق النار على جميع المباني، وأطلق الرصاص عبر الأبواب والنوافذ، وألقى قنابل يدوية داخلها، وأمطر بالرصاص كل قروي حاول الفرار”.
إسرائيل “الحقيقية”
رغم وجود أصوات معارضة، أيدت الطبقة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، بقيادة ديفيد بن غوريون وموشيه ديان، الذي سيصبح رئيساً للأركان، نهج الانتقام واسع النطاق، الرامي إلى إخضاع أي مقاومة فلسطينية بالعنف. أما وزير الخارجية موشيه شاريت، فدعا إلى عمليات عسكرية محدودة النطاق تقترن بتحرك دبلوماسي، في إطار سعيه إلى سلام دائم، من دون أن يشكك في أي من التوجهات الأساسية للسياسة الإسرائيلية. لكن الأصوات القليلة التي تبنت هذا الموقف، مثل صوته، همّشت أو جرى تجاهلها باستمرار. وحتى شاريت، الذي كان آنذاك رئيساً للحكومة بالإنابة، لم يُدعَ للمشاركة في المناقشات التي أفضت إلى العملية العسكرية ضد قرية قبية.
كان التنديد الدولي بمجزرة قبية بالإجماع. وفي الأردن، دعت تحركات شعبية واسعة إلى الرد. واقترح العراق نشر قوات في الضفة الغربية. وأدان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إسرائيل، فيما جمّدت الولايات المتحدة صرف المساعدات المقدمة إليها. وبحثت بريطانيا نشر قوات لطمأنة الأردن. وقال نائب رئيس هيئة الأركان العامة الإمبراطورية البريطانية السير هارولد ريدمان، إن البريطانيين “لا يرغبون في قتال الإسرائيليين”، لكنهم “سيضطرون، من الواضح، إلى ذلك إذا شنوا هجوماً مباشراً على الأردن”. في مواجهة هذه الأزمة الدبلوماسية، قررت إسرائيل الكذب. وبإصرار من بن غوريون، أعلن الدبلوماسيون الإسرائيليون أن المجزرة لم يرتكبها الجيش، بل مدنيون من مستوطنة مجاورة “بلغ صبرهم منتهاه”، على حد تعبير بن غوريون في خطاب إذاعي. وقال مؤكداً: “التحقيق جارٍ، لكن لا شك في أن أياً من وحدات الجيش لم تغادر قاعدتها ليلة الهجوم على قبية”.
وحتى بين حلفائها، لم تلقَ الرواية الإسرائيلية تصديقاً إلا لدى قلة. ولم يكن التلاعب بالوقائع أمراً جديداً على الحكومة الإسرائيلية. في عام 1948، وثّق الجيش نفسه طرد 700 ألف فلسطيني، ومع ذلك واصلت إسرائيل التأكيد بلا كلل أن اللاجئين الفلسطينيين غادروا طوعاً، وأن الدولة الإسرائيلية لا تتحمل أي مسؤولية عن ذلك. ومع مرور الوقت، أصبحت مثل هذه الأكاذيب سمة بارزة في العلاقات العامة الإسرائيلية عند مواجهة الانتقادات الخارجية.
لم تكن مجزرة قبية أولى المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في تلك الفترة ولا آخرها، لكنها كانت المرة الأولى التي ترتكب فيها القوات المسلحة الإسرائيلية الرسمية عملية قتل جماعي بأمر صريح من قادة الدولة. أما المجازر السابقة من هذا النوع، كمجزرة فندق الملك داود في القدس عام 1946 ومجزرة قرية دير ياسين عام 1948، فقد ارتكبتها جماعات صهيونية شبه عسكرية.
كان الائتلاف الحاكم وقت المجزرة بقيادة حزب ماباي، حزب عمال أرض إسرائيل، الذي أصبح عام 1968 حزب العمل. وقد هيمن ماباي على الييشوف اليهودي قبل عام 1948، وعلى السياسة الإسرائيلية خلال العقود الثلاثة الأولى من قيام الدولة. ترأس الحكومة ديفيد بن غوريون، وضمت وزراء مثل موشيه شاريت وغولدا مائير وليفي إشكول، وقد تولى الثلاثة جميعاً رئاسة الحكومة في السنوات اللاحقة. أما موشيه ديان، الذي يُحتفى به اليوم بصفته بطلاً عسكرياً، فكان آنذاك رئيس العمليات في الجيش، وعُيّن رئيساً للأركان بعد مجزرة قبية بشهرين فحسب. وكان أرييل شارون، الذي سيصبح رئيساً للحكومة بعد نصف قرن، يقود الوحدة التي ارتكبت المجزرة. ولعلّ الذين وافقوا على مجزرة قبية وخطّطوا لها ونفّذوها جسّدوا خير تجسيد صورة إسرائيل المثالية في سنواتها الأولى.
الوحدة قبل كل شيء
إذا كانت مجزرة قبية قد أُدينت دولياً، فقد كان الموقف داخل إسرائيل مختلفاً. وأبدت الصحافة والأحزاب السياسية تأييداً شبه إجماعي للعملية التي نفذتها القوات المسلحة الإسرائيلية. وباستثناء صحيفة “كول هآعام” المناهضة للصهيونية، المملوكة لحزب “ماكي”، أي الحزب الشيوعي، تبنّت جميع الصحف الإسرائيلية الكبرى رواية الحكومة؛ من وسائل إعلام قريبة من اليمين القومي المتشدد والتيار الأرثوذكسي المتشدد، إلى صحف مستقلة أو وسطية أو يسارية مثل “هآرتس” و”دافار”. وفي الأيام والأسابيع التي أعقبت قبية، لم تستخدم أيٌّ منها كلمة “مجزرة”، مفضّلة الحديث عن “حادث” أو “واقعة”. وبعدما أعربت غالبيتها، بفتور، عن أسفها لـ”الخسائر المؤسفة في الأرواح”، حمّلت الحكومات العربية أو الغربية المسؤولية الحقيقية عن المجزرة، لأنها لم تتمكن من وقف “عمليات التسلل”. أما الانتقادات القليلة للعملية العسكرية، فتركزت على آثارها الضارة في صورة إسرائيل بالخارج. وقد علّق فرانسيس إيفانز، السفير البريطاني في تل أبيب، على حجم التأييد الشعبي لهجوم قبية قائلاً: “قلّما حظيت حكومة إسرائيل بتأييد شبه إجماعي من الصحافة الإسرائيلية كما حظيت به في هذه الواقعة المشينة على نحو خاص”.
وتكشف حالة موشيه شاريت الكثير. وعلى الرغم من استنكاره الشديد، كتب في مذكراته: “إن قدرتنا على ارتكاب مجزرة كهذه ستظل محفورة في الذاكرة ولن تزول. ولا يمكن محو هذه الحقيقة”، انتهى به الأمر إلى الاصطفاف مع الخط الرسمي. بل أصبح مدافعاً لا يكلّ عن إسرائيل خلال أزمة قبية الدبلوماسية. إن هذا الموقف، القائم على استنكار أفعال إسرائيل أخلاقيًا مع مواصلة الدفاع عنها، هو السائد بين الصهاينة الليبراليين في إسرائيل. وحتى مابام، الحزب الصهيوني الأكثر يسارية في الطيف السياسي الإسرائيلي، وسلف حزب ميرتس، لم يخرج عن هذا النهج؛ إذ حصر انتقاداته في أضيق نطاق، مركزاً على أن المجزرة قد تمنح “أعداء إسرائيل ذريعة لتصوير الضحايا على أنهم معتدون”.
وقالت روز هالبرين، القيادية السابقة في “هاداساه”، وهي منظمة نسائية صهيونية نافذة في الولايات المتحدة، إن الهجوم “يتناقض مع القوة الأخلاقية للتقاليد اليهودية. ولا يوجد صهيوني أو يهودي إلا وقد أصابته قبية في مقتل”. وتندرج حدة هذا الموقف ضمن تقليد دفاع اليهود الأميركيين عن الليبرالية السياسية وحقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة وخارجها.
لكن الصهاينة الليبراليين الأميركيين، مثل نظرائهم في إسرائيل، انتهوا إلى الدفاع عن إسرائيل. وقد التقى وفد من الشخصيات اليهودية البارزة، ضم ماكسويل أبيل، رئيس “الاتحاد الأميركي للكنس” وفيليب كلوتزنيك، رئيس الفرع الدولي لمنظمة “بني بريث”، أقدم منظمة يهودية أميركية، مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية سريعاً، في محاولة لإنهاء تجميد المساعدات لإسرائيل. وأفضت الأزمة الدبلوماسية إلى إنشاء منظمات يهودية جديدة للدفاع عن مصالح إسرائيل، من بينها “اللجنة الصهيونية الأميركية للشؤون العامة” (AZCPA)، التي ستصبح لاحقاً “اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة” (AIPAC)، جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل التي لا غنى عنها في الولايات المتحدة. ويمكن اعتبار قبية نقطة انطلاق جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة بصورتها المعروفة اليوم.
من قبية إلى غزة
على الرغم من قلة عددهم، تصدى يهود ويهوديات للوحشية التي مارسها الجيش الإسرائيلي في قبية. ووصف يشعياهو ليبوفيتش، المفكر الإسرائيلي واليهودي الأرثوذكسي، قبية بأنها “عقاب جماعي قاسٍ لأبرياء بسبب جريمة ارتكبها آخرون”، وتساءل: “ما الذي أفرز هذا الجيل من الشبان الذين لم يردعهم وازع ولم ينتابهم ندم وهم يرتكبون فظاعة كهذه؟”.
أما إسحاق شتاينبرغ، وهو من أنصار التيار الإقليمي، وكان قد سعى خلال المحرقة إلى إيجاد ملاذ لليهود خارج فلسطين، فاستنكر المجزرة، وكذلك “ردة الفعل اللامبالية أو المرحب بها من جانب السكان اليهود في إسرائيل”. وأضاف أن الحدث “أُضفيت عليه صفة الكوشير، باستخدام كل الحجج الاستراتيجية والسياسية والعاطفية الممكنة”، وأن “المسألة الأخلاقية جرى تجاهلها تماماً”.
تبدو كلمات شتاينبرغ اليوم أصدق من أي وقت مضى، في ضوء الدعم الثابت الذي يقدمه الصهاينة الليبراليون لإسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023. أما حججهم، وفي مقدمتها إدانة نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف، فلا تقل خواءً اليوم عما كانت عليه عام 1953.
