معركة الوعي (306): دوائر انتمائنا التي لا نعرف غيرها ولا ننتمي لسواها

حامد اغبارية
1)
ما معنى الانتماء؟ ما مفهومُه؟ وما علاماتُه؟
هو قيمة إنسانيّة ذات شأن عظيم، تجعل الواحد منّا يشعر بقيمته وكرامته كإنسان ودرك الهدف من وجوده، وذلك من خلال ارتباطه بمجموعة بشرية، أو بفكرة، أو بمبدأ يتكاتف فيه مع الآخرين في عملية بناء حضاريّ. فهو ارتباط وجداني وسلوكي يُترجم إلى عمل على أرض الواقع، وإلى مواقف تعبّر عنه وعن ولاء صاحبه وهويته. فهو، إذن، شعور داخلي يدفع الفرد، برغبة منه وإرادة كاملة ووعي تامّ، إلى الالتزام والولاء لجماعة من الناس (على أساس ديني أو عرقي أو وطني) أو للفكرة أو للمبدأ، فيكون ارتباطه هذا ذا بُعد نفسيّ وأخلاقيّ عميق. والانتماء مشروط بالوعي الكامل، والقناعة التامة، والالتزام بمتطلباته، والولاء والمشاركة وتحمّل المسؤولية، وهذا يشمل الانتماء الفكري والوطني والاجتماعي والثقافي والحضاري والديني. فالانتماء يتبعُه ولاء لا محالة، فإن خلا الانتماءُ من الولاء فلا انتماء.
2)
كفلسطيني، إذا ما خُيّرتُ بين دوائر انتماء مختلفة، فإنني لا أفكر مرتين: انتمائي أولا وآخرا للإسلام، وما سوى ذلك تفاصيل ثانوية. إنها دائرة الانتماء التي نعتز بها، ونجهر بها في كل نادٍ، فهي الهوية إن فُقدت الهويات، وهي السبيل إن سُدت السبُل، وهي الصراط إن اعوجّت الاتجاهات، وهي البوصلة إن انحرفت الخيارات.
إن دائرة الأمة الإسلامية هي الدائرة الأوسع والأكبر التي يمكنها أن تضُمَّنا داخلها وتحتويَنا، عربا كُنَّا أو عجما، بأبيضِنا وأسوَدنا، فلسطينيين وشاميين ومصريين وخليجيين ويمنيين وعراقيين، أتراكا وإندونيسيين وماليزيين وهنودا وصينيين وأمريكيين وأوروبيين، ومن شئت من دوائر الانتماء الوطني أو العرقي. وإنّ أيَّ انتماء لأية دائرة، من دوائر الانتماء الأصغر، لا تكون ذات علاقة بالانتماء لأمة الإسلام تبقى منقوصة غير ذات أثر حقيقي. فأنْ تكون فلسطينيا أو عربيا، لكنك لا تنتمي إلى دائرة الإسلام، فإن ميزانك مائلٌ يحتاج إلى ما يوازن كفّتيه ليعتدل.
3)
ولأنني فلسطيني الموطن، عربي المنبت، فإنني أعتز بدوائر انتمائي الثلاث؛ الفلسطينية والعربية والإسلامية طالما أنها متلاحمة تلاحم الجلد والعظم، لا تنفصم ولا تنقطع، ولستُ أعلم غيرها لي هوية وانتماء.
ولدتُ مسلما على الفطرة، ولم يكن لي في هذا خيار. ونشأتُ فلسطينيا ولم يكن لي فيه خيار، وتسري في عروقي دماءُ العروبة، ولم يكن لي في هذا خيار، لكنني اخترت الإسلام نهجا وطريقا – إذ وَعيت وخُيّرت في بحر متلاطم الأمواج من الانتماءات الفكرية والإيديولوجية- انتهى.
4)
أما الانتماء للدائرة الإنسانية فهي دائرة ينتمي لها البشر من بني آدم، بكل أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وأعراقهم، ولا خيار لهم فيه كذلك، وعند الحديث عنها كدائرة انتماء فإنها تأتي في سياق مختلف، لا علاقة له بالخيارات التي توضع أمامك. فهو انتماء قدري بإرادة الله تعالى، خالق كل شيء، بما في ذلك العقول التي تتدبر وتفكر وتختار انتماءها وتقرر هويتها.
5)
أنا شخصيا، لم أسمع الشيخ عبد الله نمر درويش، رحمه الله تعالى وغفر له، يتحدث عن خمس دوائر انتماء، كما وردت على لسان الشيخ صفوت فريج، رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية، في مقابلة متلفزة قبل أيام، غير أنني سمعته مرات كثيرة يتحدث عن دوائر انتماء ثلاث تخُصُّنا نحن أهلَ الداخل الفلسطيني: الفلسطينية والعربية والإسلامية، وأحيانا كان يعرّج على الانتماء للدائرة الإنسانية في سياق معين، لدى الحديث عن موقف الإسلام من الآخرين والأخلاقيات والضوابط التي تحكم علاقته بهم. أما الحديث عن دائرة “المواطنة الإسرائيلية” فأعترف أنني لم أسمعها منه. ربما قالها في مناسبة أو مناسبات ذات صلة، فإن صحّت المقولة، فإنها تحتاج إلى وقفة مع الكثير الكثير من علامات الاستفهام والتعجب والاستغراب والاستهجان!!
6)
وهَبْ أنه قالها، فإنها من قول البشر، الذين يؤخذ من كلامهم ويُردّ، فهي ليست وحيا، وفيها ما فيها من مثالب. وفيها من الخطورة ما فيها؛ أيًّا كان السياق الذي قيلت فيه.
فما علاقة “المواطنة الإسرائيلية” بدوائر الانتماء الحقيقية التي نتمسك بها ونعَضّ عليها بالنواجذ؟!! وهل هي دائرة انتماء أصلية أم دخيلة طارئة؟!
هي في وَعيِنا ليست دائرة انتماء، وليست بمستوى دوائر الانتماء الثلاث أو الأربع- إن شئت- لأنها لم تأتِنا تلقائيا كما الفلسطينية والعربية بالولادة والدم والعرق والجغرافيا، ولم نخترها منهاج حياة كما الإسلام الذي اخترناه دون سواه. ومن ثَمَّ فإن وضعَها في سياق واحد مع دوائر انتمائنا الثلاث يُعدّ إهانة كبرى لهذه الدوائر، وخدْشا في نقائها.
أما أن يتخذها مَن جعلها ضمن دوائر انتمائه، فقط من أجل تبرير الطريق الذي يسير فيه، ونهجه الذي يسوّقه للناس، فهذا ما تأنفه النفوس وترفضه العقول. فمنذ متى أصبحت “المواطنة الإسرائيلية” ضمن دوائر الانتماء التي رضيناها لأنفسنا؟! هل اخترناها بإرادتنا وعن قناعة تامة، نحبّها حبَّنا لفلسطينيتنا وعروبتنا وديننا، وترتاح إليها نفوسنا ونفخر بها، ولا نجد فيها غضاضة، أم أنها فُرضت علينا بحكم أحداث وظروف غالبة لم يكن لنا فيها قرار ولا خيار؟!! أمِن أجل خيار السير في طريق الكنيست أريدُ أن أقنع الناس بأن “المواطنة الإسرائيلية” دائرة انتماء كالفلسطينية والعربية والإسلامية أو بمستواها؟! أتريدون أن تقولوا للناس طالما أننا نحمل “المواطنة الإسرائيلية” فقد أصبحت من دوائر انتمائنا التي نعتز بها، ولذلك علينا أن نعبّر عنها في سلوكنا السياسي والاجتماعي والفكري، كما نفعل مع الدائرة الفلسطينية والدائرة العربية والدائرة الإسلامية؟ فأين أوصلتم الناس؟ وإلى أين تريدون الوصول بهم؟!!
7)
من خلال فهمنا لتلك المقولة جدير بنا أن نسأل أنفسنا، وأن نسأل الملأ من أبناء مجتمعنا:
من نحن؟ وما الذي نريده حقا؟
إن كُنا نعرّف أنفسنا فلسطينيين يعيشون في وطنهم، وأننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، نحمل ذات الهمّ، ومصيرنا ذات المصير، فإنّ ما يؤذي أبناء شعبنا في الضفة والقطاع والشتات يجب أن يؤذيَنا. فهل هذا ما نشعر به فعلا؟!
كيف ذلك ومنّا من يمارس حياته وكأنه جزء من الفضاء الإسرائيلي؟!! أهكذا يكون الانتماء لهذه الدائرة؟!
بل هناك من يجعلونك تشعر أنهم يفتخرون بذلك، وهم يدافعون بحرارة واستقتال عن ضرورة المشاركة في الانتخابات والتصويت؟!!
نعم، نحن جزء أصيل من شعبنا الفلسطيني. ولأن شريحة كبيرة من أبناء شعبنا مشردة في أصقاع الأرض، فإن من مطالبنا أن يتحقق حق العودة لكل لاجئ فلسطيني إلى قريته التي هُجّر منها، وبيته الذي اقتُلع منه، وأرضه التي سلبت منه. فهل يستطيع أيٌّ من الأحزاب التي ربطت مصيرها بالكنيست أن يزعم أنَّ عضوية الكنيست قرّبتنا من هذا الهدف خطوة واحدة؟!
نعم، نحن جزء لا يتجزأ من شعبنا الفلسطيني، ولنا أهلٌ في غزة المحتلة منذ 1967، وهؤلاء اليوم يُذبحون على مدار الساعة بالبث المباشر. فهل تستطيع أحزاب الكنيست وقف أنهار الدماء في غزة بضع دقائق، فقط كي يلتقط الناس هناك أنفاسهم؟!
نعم، نحن جزء لا يتجزأ من شعبنا الفلسطيني، ولنا أهل في الضفة الغربية المحتلة عام 1967، ويوميا نرى كيف أن الاحتلال وسوائب المستوطنين يعيثون فيها فسادا. فهل تملك قيادات الأحزاب أن تزعم أن عضوية الكنيست ستوقف ما يجري في الضفة؟!!
نعم، نحن ذلك الجزء الذي بقي في وطنه منذ نكبة شعبنا عام 1948، وفي هذا الجزء من الوطن هناك أكثر من نصف مليون لاجئ من أهلنا يعيشون بيننا، ويحلمون بالعودة إلى قراهم المهدمة، والتي تبعد عنهم بضع مئات من الأمتار. فمن ذا الذي يمكنه أن يزعم أن عضوية الكنيست حققت للاجئ واحد من هؤلاء الأهل حلم العودة إلى قريته التي يراها أمامه كل يوم، ويتحسر عليها، ولا يستطيع أن يعود إليها؟!
نعم، نحن جزء من شعبنا الذي نُكب ثانية يوم أن سقطت القدس جريحة تحت الاحتلال، وانتُهكت قدسية المسجد الأقصى المبارك، ولا تزال تُنتهك حتى هذه اللحظة بشكل يومي بالصورة التي نشهدها اليوم. فأيٌّ من أعضاء الكنيست العرب يمكنه أن يزعم أنه رفع مقدار ذرة من الأذى عن القدس وعن الأقصى اللذين ينزفان يوميا تحت سطوة التهويد والتدنيس وتزوير التاريخ والآثار، وهم الذين لم يجرؤ واحدٌ منهم على مجرّد تحدي قرار نتنياهو عام 2017 يوم قرر منع أعضاء الكنيست من دخول الأقصى في أعقاب أحداث البوابات الإلكترونية؟! وهم الذين لا يجرؤ منهم أحد أن “يقتحم” المسجد الأقصى في نفس الوقت الذي يقتحمه بن غفير وعصابات المستوطنين؟!
8)
إذا كانت مشكلتنا في جهاز التعليم، فلنسأل أنفسنا: ماذا صنع بنا جهاز التعليم، وماذا يصنع بأبنائنا وبناتنا؟! وما الذي أمكننا تغييره في مضامين منهاج التعليم الذي يزوّر الرواية، ويغسل الأدمغة، ويشوه التاريخ، ويسعى إلى إنتاج مخلوق جديد، يسمونه “العربي الإسرائيلي”؟!
هل تمكنت عضوية الكنيست من التقدم بضع سنتمترات نحو تغيير الأوضاع في جهاز التعليم في المدارس العربية؟! هل أنجزت خطوة واحدة صغيرة نحو تغيير مضامين المنهاج، بحيث تحمي هوية الطالب العربي الفلسطيني وانتماءه؟!
وإذا كنا جميعا نعلم أن الفلسطيني في هذه البلاد يعاني من التمييز المفضوح أمام القضاء الإسرائيلي، فهل تمكنت عضوية الكنيست من رفع هذا الظلم عنا؟!
وإذا كان أعضاء الكنيست العرب يصرخون من على منصة الكنيست صباح مساء احتجاجا على القوانين العنصرية التي يسنّها الكنيست، الذي هم أعضاء فيه، فهل تمكنوا أفرادا ومجتمعين أن يوقفوا سنّ قانون عنصري واحد؟!
وإذا كان أعضاء الكنيست العرب قد ذاق بعضهم أذى الملاحقة السياسية على جلده، وعاش أسوأ لحظات هذه الملاحقة وهي تمارَسُ ضد أبناء شعبه وقياداته، فهل في مقدورهم أن يوقفوا هذه الملاحقات؟! هل استطاعوا، أو استطاع أيٌّ منهم أن يخفف من هذه الملاحقات شيئا مهما كان طفيفا؟!
وإذا كان أعضاء الكنيست العرب يعترفون أننا، كمجتمع فلسطيني، نعاني من قبضة أمنية مشددة، ومن ملاحقات أمنية قبيحة، ومن قمع بوليسي أسود، أفلا يقولون لنا مثلا، ماذا فعلوا، أو ماذا سيفعلون من أجل تغيير هذه المعادلة البغيضة؟!
ثم يأتي من يحدّثك عن دائرة انتماء خامسة يسميها دائرة “المواطنة الإسرائيلية”!!!
بئست السّوق وبئست البضاعة وبئس الطريق!!!