يا شباب: استقيموا واثبتوا ودوروا مع الإسلام حيث دار

في زمان كثر فيه نوم الضمائر، بل بيعها بل موتها، وكثر فيه فساد الأخلاق وطغيان المادة، وحبّ الدنيا والانحراف عن الصراط المستقيم، والانجراف وراء حبّ المال وثورة بل جنون الغرائز.
في زمان غلّب الناس فيه حبّ الدنيا على الآخرة، بل غلّبوا حبّ المال على حبّ الله سبحانه حتى أنهم لم يعودوا يبالون بما كسبوا من مال هل مصدره حلال أم حرام، فقد أصبح أحدهم لا يكفيه الحلال ولا يقنعه، فلا هو بالقليل يقنع ولا من الكثير يشبع، مثله كمثل جهنم حين يقال لها يوم القيامة {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} [30 سورة ق].
وإن حال كهذا الحال، فإنه يقود صاحبه إلى انحرافات سلوكية خطيرة، كالأنانية والبخل والطمع، يبيع ضميره ويبيع نفسه ويبيع شرفه، ويتنازل عن كرامته، ويتنازل عن وطنه وثوابته وهويته من أجل المال والدنيا ومكاسبها وبريقها وزيفها.
لأجل ذلك، وأمام هذا الطوفان من مظاهر الانحراف والمفاسد، فإننا بحاجة إلى استقامة أخلاقية وفكرية وعقائدية، فالحياة لا تستقيم ولا ترتقي إلا بأهل الاستقامة لأنهم ملح هذه الأرض، وكيف يصبح حال الناس إذا فسد الملح؟ قال الله سبحانه: {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [30 سورة فصلت].
ولقد جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وقال: “يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. فقال له: قل آمنت بالله ثم استقم”، إنها وصية مختصرة جامعة، وإن رسول الله ﷺ قد استنبط قوله المبارك هذا من قول الله تعالى في قرآنه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [30 سورة فصلت]، وقوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [13+14 سورة الأحقاف]، ولقد فسّر أبو بكر الصديق رضي الله عنه معنى قوله تعالى “ثم استقاموا” بقوله: لم يلتفتوا إلى إله غير الله فأخلصوا له التوحيد.
وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد قال في تفسيرها: استقاموا لله بطاعته ولم يروغوا روغان الثعالب.
فاستقم كما أمرت
وإن الله سبحانه قد علّمنا أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم كل يوم بل كل صلاة بل وفي كل ركعة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [6 سورة الفاتحة].
بل إنه سبحانه قد أمر رسوله ﷺ مرتين في القرآن الكريم بالاستقامة، فقال له مخاطبًا في سورة هود: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا} [112 سورة هود]، وقال له مخاطبًا في سورة الشورى: {فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [15 سورة الشورى].
ولقد ذكر الإمام القشيري أن أحد الصالحين رأى رسول الله ﷺ في المنام فسأله: يا رسول الله لقد قلت شيّبتني هود وأخواتها فما الذي شيّبك في سورة هود؟ فقال: قول الله تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}”.
فالاستقامة أن تثبت على الحقّ، وأن تقف عند حدود الله، وأن تبتعد عمّا حرّم الله، أن تسير وتمضي في طريق الإسلام إلى الأمام، فلا ترجع إلى الوراء، فالرجوع ليس استقامة، ولا تتوقف، فالتوقف ليس استقامة، ولا تنحرف يمينًا ولا يسارًا، فالانحراف ليس استقامة، ولا تتلون ولا تتذبذب، فالتلون والتذبذب ليس استقامة. وإنه رسول الله ﷺ وقد خطّ على الرمل خطًا مستقيمًا وقال هذا سبيل الله، وخطّ خطوطًا معوجّة كثيرة وقال هذه سبل الشيطان، ثم قرأ قول الله تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [153 سورة الأنعام].
فالاستقامة أن تدور مع الإسلام حيثما دار وإن حاربه الأعداء وخانه الزعماء وجهل عظمته السفهاء وصمت وانخرس عن نصرته العلماء، فهكذا هي وصية رسول الله ﷺ لمّا قال: “ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب”.
المرء بأصغريه قلبه ولسانه
إننا مطالبون بالاستقامة في قلوبنا وفي عقيدتنا وفي ألسنتنا وفي أخلاقنا. مطالبون بالاستقامة أفرادًا وأمّة.
أما استقامة القلب فمعناها أن لا ترجو إلا الله سبحانه، ولا تخشى إلا الله، ولا تعتمد إلا على الله، ولا تثق إلا به سبحانه، ولا تحبّ ولا تكره إلا في الله تعالى، ولا تعطي ولا تمنع إلا لله تعالى بأن يكون كل شيء فيك وعندك لله تعالى، قال ﷺ: “من أحبّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان”، وقال سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لَا شَرِيكَ لَهُ} [162سورة الأنعام].
إن استقامة القلب معناها أن لا تتخذ غير الله وليًا، ولا غير الله ربًا، ولا غير الله معبودًا، ولا غير الله حكمًا، وأن لا توالي إلا المسلمين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا} [144 سورة النساء].
إن استقامة القلب معناها استقامة كل الجوارح والأعضاء، لأن القلب هو ملك الأعضاء “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب”.
أليس الله سبحانه قد قال على لسان المؤمنين وهم يدعونه باستقامة قلوبهم: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [8 سورة آل عمران].
ولأهمية القلب، يجب أن نحرص على نقائه وصفائه وعدم تلوّثه بالذنوب كما قال الشاعر:
ما بال قلبك ترضى أن تدنّسه وثوبك الدهر مغسولًا من الدنس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
قال ابن القيّم رحمه الله: “في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به سبحانه في الخلوات، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته”.
وأما استقامة اللسان فإنها تأتي بموازاة استقامة القلب ولا تقل أهمية عنها، وقد قال ﷺ: “لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه”، لأن اللسان من الأهمية بمكان كما قال ﷺ: “إذا أصبح ابن آدم فإنها الأعضاء كلها تكفر اللسان أي تلومه فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا”.
ومع استقامة القلب واللسان تكون استقامة كل الجوارح على طاعة الله سبحانه، تستقيم اليد وتستقيم الرجل، وكذلك السمع والبصر، وتستقيم كلك فلا ترتكب الإثم والحرام ولا تتعدى حدود الله تعالى. لقد جمعت أهمية استقامة القلب واللسان في تلك الحكمة المشهورة “المرء بأصغريه قلبه ولسانه”.
الاستقامة بين لائين
وإنها الاستقامة على الحقّ والثبات عليه، وإننا مطالبون بها كلنا حيث بات من السهل على الكثيرين الانحراف عن الحقّ بل والارتماء في حضن الباطل بل وتحت قدميه من أجل دنيا تافهة كما ورد في الحديث الشريف: “بادروا بالأعمال، فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا” والعرض هو أي شيء ولو كان تافهًا وبلا قيمة.
ولقد قال أحد الصالحين: “إن الدين بين لائين اثنين، وهي في قوله سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ*وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [112-113 سورة هود]. إنهما إذن لائين اثنين: لا “تطغوا، ولا تركنوا”، فالطغيان هو تجاوز الحدّ في حقوق الناس وحدود ربّ الناس سبحانه، وتجاوز الحلال إلى الحرام، والعدل إلى الظلم، والله سبحانه يعلّمنا الاستقامة وعدم الطغيان {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ*أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ} [7-8 سورة الرحمن]، وعدم الركون إلى الظالم، فلا تعن ظالمًا ولا تكن سوطًا في يد ظالم، ولا تسخّر نفسك لخدمة ظالم، لأنك بذلك تكون شريكه في ظلمه فتكون معه حطب جهنم. فلا تكن طاغية ولا تكن ظالمًا ولا تكن عونًا لطاغية أو لظالم، فهذه هي حقيقة الاستقامة. فهل يكون مستقيمًا ذاك الذي يسخّر نفسه لخدمة الظلمة والطواغيت فيعينهم على ظلم المسلمين ويروّج لمشاريعهم ويحسّن صورتهم؟
ولأن الاستقامة على أمر الله ودين الله وصراط الله المستقيم ليس أمرًا سهلًا، فإن رسول الله ﷺ قد بيّن عظيم أجر وثواب من يستقيمون على أمر الله ويصبرون رغم صعوبة ذلك، قال ﷺ: “إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبض على الجمر، للعامل فيها أجر خمسين منكم. قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم أو خمسين منا؟ قال: خمسين منكم”.
سر السعادة
إن المطلوب من المسلم ليس فقط أن يستقيم على أمر الله، بل إنه مطالب بعد الاستقامة بالثبات عليها وأن يدفع ضريبة مهر الاستقامة مهما غلا ثمنها.
أن تقول ربي الله وتنسب نفسك إليه جلّ جلاله، وتكون في جنابه وحزبه، هذا ليس موقفًا سهلًا ولا هينًا {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [30سورة فصلت]. ففي لحظة التحدّي وعنفوان المواجهة الإيمانية قال فرعون: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} [26سورة غافر]، فساق الله لموسى رجلًا مؤمنًا من آل فرعون كان يكتم إيمانه ليصرخ بأعلى صوته {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [28 سورة غافر].
ففرعون خسر شرف الانتساب إلى الله، وإن ربّ موسى ليس ربه حين قال “وليدع ربّه” بينما نال هذا الشرف موسى عليه السلام “ربيّ الله”.
ربيّ الله، قالها رسول الله ﷺ وأصحابه، وبسببها عُذّبوا وأوذوا وشُرّدوا وهاجروا {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ*الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [39-40 سورة الحج].
وإنه مما عاد لا يخفى على أحد، أن الحرب المستعرة اليوم هي بين الاستقامة وبين الانحراف، بين التثبيت وبين التثبيط، بين الأمل وبين اليأس، بين الثبات وبين الانبطاح، بين الحقّ وبين الباطل، بين الإسلام وبين أعدائه.
وإنه المسلم اليوم يعادى لأنه يقول: ربيّ الله، ويرفض أن يكون له أرباب من دون الله، يرفض أن يخاف، ويأبى أن يذلّ لقزم ضحك له الزمان فأصبح طاغية متألهًا.
يكفي المسلم اليوم شرفًا وهو يدعو المسلمين ويدعو الناس أجمعين لدين ربّ العالمين، أن يستقيموا على أمر الله وأن يكفروا بكل آلهة سوى الله تعالى، وأن لا يرضخوا للظلم ولا للطواغيت ولا يركنوا إليهم، ويحسنون التوكل على الله، فهو حسبهم ونعم الوكيل، فهي السعادة الحقيقية وهو الفوز العظيم.
قالوا: السعادة في الغنى فأخو الثراء هو السعيد
قالوا: السعادة في النفوذ سلطة الجاه العتيد
قالوا: السعادة في الغرام الحلو.. في خصر وجيد
قالوا: السعادة في السكون وفي الخمول وفي الجمود
قل للذي يبغي السعادة هل علمت من السعيد
إن السعادة أن تعيش فكرة الحق التليد
لعقيدة كبرى تحلّ قضية الكون العتيد
هذه العقيدة للسعيد هي الأساس وهي العمود
من عاش يحملها ويهتف باسمها فهو السعيد
عرف الإله فلم يعد في الشك يبدئ أو يعيد
للناس أرباب ولكن ربّه ربّ وحيد
لا ينحني إلا له عند الركوع أو السجود
وإذا أريد على الدنية قال: إني لا أريد
ويشيم في وجه البلاء مخايل الفرج الأكيد
والفرج مثل الغيث يُعرف بالصواعق والرعود
ولأننا نعيش أيام الكرب والبلاء والمحن والحرب السافرة على الإسلام، فإنها والله مقدّمات الفرج وتفريج الكرب مثلما أن مقدّمات الغيث هي الصواعق والرعود.
أخي الحبيب: قل آمنت بالله واستقم، واثبت، وكن على يقين بالفرج كأنك تراه، وإن غدًا لناظره قريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
