أخبار رئيسيةمقالاتومضات

العاملون بصمت

هم العاملون بصمت، ولسان حالهم يقول: (لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا).
وإن قيل لهم: ما الذي دفعكم أن تعملوا ما تعملون بصمت لا صخب فيه ولا ضجيج، ولا حرص فيه على سبق إعلام، ولا مديح أقلام، ولا لقلقة كلام؟!
قالوا: (إنا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا).

وإن قيل لهم: منذ متى وأنتم على هذا الحال؟
قالوا: منذ عقود، ونحن نعمل مجتهدين أن نكفل الأطفال، وأن نحتضن الصبية، وأن نرعى الشباب، وأن نوقر الكبار، وأن نحمل الكل، وأن نمسح على رأس اليتيم، وأن نجبر خاطر الأرامل، وأن نغيث اللاجئين، وأن نفرج كرب المكروبين، وأن نصل خيام المشردين، وأن نرسم البسمة على وجوه البائسين، وأن نحفظ العافية للمرضى، وأن نصنع حاضنة العلم لكل طالبي العلم، وأن نفشي السلام ونطعم الطعام، وأن نصلح بين المتنازعين، وأن نعين الأسر المستورة على نوائب الدهر.

وأن نجدد العهد بين كل أجيال مجتمعنا وبين القرآن الكريم، وأن نبصّر كل السائلين في ميزان الحلال والحرام، وأن نساند استقرار كل أسرة في كل بيت، وأن نربط حاضرنا بماضينا طامحين بمستقبل أفضل، وأن نضبط فهمنا وخطابنا وسلوكنا وسيرنا ومواقفنا بثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية كي لا نضل ولا نشقى، وأن نحيي أرضنا ونحصن بيوتنا ونصون مقدساتنا، وأن نحفظ لغتنا العربية على ألسنتنا وفي أقلامنا، وأن نتمسك بهويتنا وقيمنا وأخلاقنا وآدابنا وأعرافنا الحسنة وتراثنا الراشد وعاداتنا الفاضلة.

وأن نشد من أزر انتمائنا الإسلامي العروبي الفلسطيني، وأن نستعيد وحدة الجسد الواحد بين أهلنا في الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة) جسدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأن نتقن عملنا إذا عملنا، وأن ننافس غيرنا في النجاح والتألق والإبداع، وأن نبني الرباط بين كل والدين على المودة والرحمة، والأبناء على البر بالوالدين، والجيران على الجيرة الصالحة، وان نجمع أبناء الحي الواحد على زمرة القلب الواحد، وأبناء الحارة الواحدة على مبدأ التعاون الواحد على البر والتقوى ونبذ العنف والإثم، وأبناء البلد الواحد على النخوة الجامعة الواحدة.

وأن نزين حياتنا بالرجل المهذب والمرأة الفاضلة والتاجر الأمين إذا باع وإذا اشترى، والمهني الوفي إذا وعد وإذا أتم عمله.

وأن نزود مجتمعنا بالإعلامي الملتزم، والطبيب المشفق الرحيم إذا فحص وعالج، والمحامي الصدوق إذا وقف ودافع، والمهندس النبيه إذا رسم خارطة لبيت أو مؤسسة، والأديب الفصيح في أدبه، والشاعر البليغ في شعره، والرياضي السبّاق في أدائه، والفنان المتأثر بواقعه ساعيًا إلى قيادته للمعالي إن رسم أو مثّل أو لعب دورًا في فيلم أو غنّى أو حدا أو أنشد.

وأن نثري مسيرة جماهيرنا بالسياسي الموجوع المولود بين أزقة همومنا وآلامنا وطموحنا، ورجل الأعمال الذي لا ينام حتى يزكي ماله أو يبارك ماله بالصدقة أو ينمي ماله بالتبرعات السخية المناسبة في مكانها المناسب، والمعلم الذي يكاد أن يكون رسولًا في صفه، والمدير الذي يكاد أن يكون قائدًا في مدرسته.

ثم إن قيل لهؤلاء العاملين الصامتين: نحن نخاف أن تكونوا ثرثارين وأنكم تقولون ما لا تعملون.
قالوا بأدب لا حدة فيه ولا غضب بسبب هذا السؤال: بل هكذا نحن، وكف أقوالنا نصف كف أعمالنا، وكم تمنينا ألا تعلم شمالنا ما تعمل يميننا، وكم حرصنا أن يكون ما نبديه أقل مما نستره، وأن يكون ما نخفيه أكثر مما نعلنه، حتى لا يضيع أجرنا الذي نطمع به من الله تعالى على أعتاب أضواء الإعلام وعناوين الصحف وحوارات الإذاعات وتغريدات المواقع ونشرات القنوات وهتافات الجماهير وضجيج المعجبين وحماسة المصفقين ومديح الخطباء المصقعين.

ونحن نعمل في كل ما ذكرنا من محاور تحت ضوء الشمس وعلى الأرض وليس تحتها، ولا يوجد ما نحذر منه حتى نخفيه، ولا يلابس عملنا عيب حتى نستره، ولا يشوه دورنا قبح حتى نواريه.

ونحن نعمل ما يبني لا ما يهدم، ويوحد لا ما يفرق. ونحن نعمل لأن من الواجب أن نعمل، ولأنه واجب فالأصل أن نعمل، وليس المفروض أن نعيش على هامش الحياة كسالى.

ولأنه واجب، فالأصل أن نعطي لا أن نأخذ، وأن نقول تفضلوا لا أن نقول هاتوا، وأن نبذل لا أن نتكسب، وأن يكون مأكلنا حلالًا ومشربنا حلالًا وملبسنا حلالًا، معافين من مال كل صندوق مانح أمريكي أو أوروبي أو عربي يتقن فن مزج السم بالعسل والداء بالدسم.

ثم إن قيل لهؤلاء العاملين الصامتين: هذه دعواكم فأين دليلكم على ما تقولون؟
قالوا: هذه آثارنا تكتب أخبارنا.
فها هم البعض فينا الذين أهمهم جيل الطفولة فأقاموا شبكة روضات أهلية نموذجية لرعاية هذه الطفولة.
وها هم البعض فينا الذين أهمهم جيل الصبا والفتوة فأقاموا مدارس أهلية ابتدائية وإعدادية وثانوية.

وها هم البعض فينا الذين أهمهم جيل الشباب فأقاموا النوادي الشبابية لاحتضان أكبر عدد ممكن من الشباب حتى لا يتحولوا إلى فريسة للمخدرات والسوق السوداء والخاوة وبيع السلاح الأعمى.
وها هم البعض فينا الذين أهمهم جيل طلبة العلم الجامعيين فواكبوا أكبر عدد ممكن من هؤلاء الجامعيين في جامعاتهم بهدف احتضانهم وحفظ مسيرتهم راشدة وملتزمة وذات انتماء.

وها هم البعض فينا الذين أهمهم حفظ العهد الحي مع القرآن الكريم فأقاموا عشرات الحواضن القرآنية واستقطبوا بواسطتها آلافًا من أبناء بيوتنا ما بين الصغار والكبار -ذكورا وإناثا-، وكانوا ولا يزالون يسهرون على رعايتهم وتحبيب حفظ القرآن الكريم لهم، ثم سرده علانية وتعليمهم أحكام ترتيل القرآن الكريم.

وها هي جهود هذه الحواضن القرآنية قد أثمرت ولا تزال ثمارها تزداد يومًا بعد يوم، وها هم مئات الحافظين والحافظات للقرآن الكريم قد تخرجوا منها.

وها هم البعض فينا الذين أهمهم فهم الإسلام عقيدة وشريعة وعبادة وخلقًا فهمًا سليمًا راشدًا قائمًا على أدلة من القرآن والسنة، ثم ما ورثته لنا مدرسة أئمة الاجتهاد في كنف المذاهب الأربعة، ومن تبعها بإحسان إلى يوم الدين.

وبهدف الوصول إلى هذا الهدف السامي، أقيمت مدارس ومعاهد علم شرعية وسطية على قاعدة الحديث النبوي الشريف: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين».

وهم البعض فينا الذين أهمهم توجيه أكبر شريحة من مجتمعنا للالتزام بميزان الحلال والحرام وآداب الأسرة وقيم البيت الفاضلة وحسن المعاملة، فأقاموا منبرا للإفتاء الذي أجاب منذ قيامه عن أكثر من مليون سؤال وصل إليه عبر الهاتف والمكاتبات والمقابلات الشخصية، وكلها تتحرى الوقوف على حدود الحلال والحرام في مسيرة حياتها.

وها هم البعض فينا الذين أهمَّهم ما يلقاه مجتمعنا من غول العنف الذي حصد منهم آلاف القتلى، وعشرات الآلاف من الجرحى والمبعدين عن بيوتهم وبلداتهم، والمهاجرين اضطرارًا إلى دول شتى في شرق الأرض وغربها.

فأقام هؤلاء البعض مكاتب الإصلاح، ولجان الإصلاح، ومجالس التحكيم، وهيئات النخوة، ومبادرات السلم الأهلي.

وها هي كل هذه العناوين تعمل بهمة ونشاط مستديمين ما بين الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية: (عكا وحيفا ويافا واللد والرملة).
وها هي قد نجحت بإحلال الصلح في آلاف القضايا، ما بين قضايا دماء سائلة، وقضايا مجتمعية، وقضايا أسرية، وقضايا معاملات شتى في مسيرة حياتنا.
وها هم البعض فينا الذين أهمَّهم حال عشرات الآلاف منا فريسة للفقر وقلة الحيلة والحرمان وفقدان مقومات العيش بكرامة، فأقاموا لجان الزكاة والصدقات التي لا يزال بعضها يعمل منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن.

ويا لهذه اللجان، ويا لروعة دورها!
فكم كانت ولا تزال تكفل عشرات آلاف البيوت المستورة، وكم كانت ولا تزال تجدد الفرحة والسرور في كل عيد على عشرات الآلاف من بيوت أخرى ضاقت عليها الحياة بما رحبت، وأُغلقت في وجهها سبل العيش الكريم.

وكم أعدَّت آلاف الحقائب المدرسية، ولا تزال، لآلاف الطلاب منذ المرحلة الابتدائية فصاعدًا كل عام دراسي، وكم غطَّت التكاليف المالية لمئات العمليات الجراحية الخطيرة، وكم جبرت خاطر مئات البيوت التي تعرضت لحريق أو تصدع لأسباب أخرى.
وها هم البعض فينا الذين أهمَّتهم ويلات الجوائح المتواصلة التي كانت ولا تزال تقع على شعبنا الفلسطيني وأمتنا الإسلامية وعالمنا العربي، فكانوا ولا يزالون يُغيثون منكوبي هذه الجوائح بما نجحت لجان الإغاثة التي أقاموها أن تجمع من أموال وملابس وأطعمة وخيام وأدوية، وكم تركت هذه اللجان الإغاثية من بصمات إنسانية في مواقع هذه الجوائح، ولا تزال هذه البصمات تزداد.

فكان لهؤلاء، ولا يزال، البصمة الإنسانية على صعيد شعبنا الفلسطيني، والبصمة الإنسانية في كل من البوسنة وجمهورية الشيشان وكوسوفا وألبانيا والصومال وسوريا.

وهم البعض فينا الذين أهمَّهم ضعف الخدمات الصحية في نهار مجتمعنا وليله، خاصة قبيل بضعة عقود، فأقاموا المراكز الطبية الأهلية التي تحولت مع الأيام إلى منارات فخار، تستقبل المرضى على مدار اليوم بأسعار شعبية، وتحتضن المئات من كبارنا المسنين والمسنات، وتفتح أبوابها في كل نائبة تعصف بمجتمعنا، فكان لها هذا العطاء ولا يزال.
وها هم البعض فينا الذين أهمَّهم استفحال عقوقنا للغتنا العربية، لدرجة أن الكثير من الكلمات الدخيلة من لغات أخرى حلَّت محل المئات من كلماتنا العربية في الحديث والكتابة والمراسلات ومواقع التواصل، فأقام هؤلاء البعض مبادرات لحفظ لغتنا العربية حية في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا وشوارعنا.

وراح هؤلاء يشجعون على كتابة لافتات المحلات التجارية باللغة العربية، وعلى إرشاد أهلنا إلى المصطلحات العربية المتعلقة بكل حِرَف الحياة، كالأفران والصيدليات والمراكز التجارية ومجمعات بيع مواد البناء… إلى آخره.

وراح هؤلاء يشجعون على العودة إلى الخط العربي وجماله، وعلى دفع طلابنا في المدارس للمشاركة بمسابقات إنشاء حول اللغة العربية. وما أجمل هذه المبادرات، وليت مجتمعنا يلتف حولها.
وها هم البعض فينا الذين أهمَّهم الحفاظ على رسالة الإعلام في مجتمعنا: رسالة بناء لا رسالة هدم، ورسالة توجيه لا رسالة تسفيه، ورسالة تصحيح لا رسالة تجريح.

ولذلك اندفع هؤلاء البعض وأقاموا الموقع الإخباري الراشد، وأصدروا الصحيفة المسؤولة، وأعدّوا الأفلام الوثائقية الموزونة، وبنوا الأرشيف الحافظ للذاكرة، وداوموا على عقد المنتديات الفكرية والإعلامية والثقافية الهادفة، ووقفوا في وجه كل من حاول أن يتجاهل ثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية، ليخلّصوا مجتمعنا من عثراته ومآلات هذه العثرات، وسلّطوا الضوء الإعلامي على كل القوانين والممارسات العنصرية التي لا تزال تزداد، معلنةً حربًا ضدنا من قبل العنصريين الرسميين والشعبيين في المجتمع الإسرائيلي.
وها هم البعض فينا الذين حبَّب الله تعالى إليهم الدعوة إلى الله، والعمل الصالح، والنصيحة الصادقة، وتشجيع النساء على الالتزام جوهرًا ومظهرًا، وتذكير الشباب بضرورة التوبة والعودة إلى الله تعالى، والإقلاع عن الغفلات والسيئات والعثرات.

فراح هؤلاء البعض يقيمون أسابيع الدعوة إلى الله، والمهرجانات الخطابية للحديث عن المناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية، وراحوا يتجولون في البيوت ويقرعون الأبواب، ويذكّرون الأهل بثوابتهم الإسلامية العروبية الفلسطينية، ويحثّون على التمسك بها، وعلى الالتزام بقيمنا وهويتنا وجذورنا وأخلاقنا وامتدادنا.

وها هم قد نجحوا باستقطاب الآلاف من الشباب والفتيات والأطفال، وها هم باتوا يحيون فيهم حب الله تعالى، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحب المؤمنين الصالحين، وحب الأرض والبيت والمقدسات، وحب القدس والمسجد الأقصى المباركين، وحب شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، وحب التمسك بالقرآن والسنة.

ثم إن قيل لهؤلاء العاملين بصمت: ما هي طموحاتكم؟
قالوا: أن يتحقق انتخاب لجنة المتابعة مباشرةً من جماهيرنا، وأن يقام صندوق مالي عصامي يسند لجنة المتابعة بكل ما تحتاج إليه من نفقات مالية لتغطية كل نشاطاتها، وأن يتحقق ترشيد النضال الشعبي وتقوية اللحمة بين جماهيرنا ولجنة المتابعة، وأن ننجح بصناعة الحياة الإسلامية العروبية الفلسطينية في دائرة الفرد والبيت والمجتمع.

ثم إن قيل لهؤلاء العاملين بصمت: من أنتم؟
قالوا: نحن أصحاب الوجود الشرعي في أرضنا وبيوتنا ومقدساتنا، فهي حق لنا ورثناه كابرًا عن كابر، وما كنا في يوم من الأيام عابري سبيل، ولا مغتصبين، ولا لصوصًا، ولا قطاع طرق.

ثم إن قيل لهؤلاء العاملين بصمت: ما هي غاياتكم وما هي أهدافكم؟
قالوا: مرضاة ربنا، ثم خدمة مجتمعنا في الداخل الفلسطيني، ثم إسناد مطلب شعبنا الفلسطيني الحق بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس المباركة، ثم إسناد الشعوب المطاردة والمضطهدة المسلمة والعربية لتقرير مصيرها، وانتخاب حكامها، واختيار نظام حياتها، والتحرر من الظلم في توزيع الثروة، ومن تدخل الأجنبي في مسيرة هذه الشعوب، والسعي نحو تحقيق الوحدة الجادة بين كل هذه الشعوب، ثم إسناد كل المظلومين في كل الأرض، وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن الجور والظلم إلى القسط والعدل، ومن فجور الإنسان إلى كرامة الإنسان.

ثم ان قيل لهؤلاء العاملين بصمت: متى ينتهي دوركم وتخرجون إلى التقاعد؟
قالوا: ما دامت هذه الدنيا سنبقى نعمل جيلًا بعد جيل، ولو قامت الساعة وبيدنا فسيلة لغرسناها.
وسيبقى عملنا مستديمًا لا يتوقف قبل انتخابات السلطات المحلية العربية وبعدها، وقبل انتخابات كل كنيست وبعدها.

ولن يكسر عزمنا حكومة يسار إسرائيلية، ولا حكومة وسط، ولا حكومة يمين، ولا حكومة يمين اليمين.
فنحن هنا في أرضنا باقون ما بقي الزعتر والزيتون، حتى نلقى الله تعالى.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى