ركلات (16)

حامد اغبارية
على خلفية الهدم الذي طال عشرات البيوت في النقب، في الأيام الأخيرة، وحفلة اللطم (التقليدية) التي خرجت بها قيادات محلية وقطرية، نذكّر بالحقيقة، لعل الغافل يتنبه والنائم يستيقظ.
يقول دافيد بن غوريون في رسالة إلى ابنه عاموس:
“أراضي النقب محجوزة للمواطنين اليهود متى أرادوا… ويجب أن نطرد العرب لضمان حقنا في الاستيطان على هذه الأرض”.
هذا ملخص الوضع السائد في النقب، وحقيقة سياسة المؤسسة الإسرائيلية تجاه النقب وأهله. لذلك فإن وعود أحزاب الكنيست الناطقة بالعربية وكأنها ستحوّل أرض النقب إلى قطعة من الجنة، وأنها ستحقق الرفاهية وتجلب الاعتراف بالقرى غير المعترف بها، وسترفع مستويات العيش الكريم والحقوق السياسية للسكان إنما هي تسويق للوهم لا تتجاوز الحلقوم، وتبقى في دائرة الدعاية الانتخابية من أجل حصد الأصوات.
على أهلنا في الداخل، وخاصة الأهل في النقب، أن يستوعبوا هذه السياسة، فالنقب بالنسبة للمؤسسة الإسرائيلية عمق استراتيجي أمني وديمغرافي استيطاني لا يمكنها أن تتخلى عنه، مهما حدث. وهي ماضية في تنفيذ خططها حتى لو “تفعفل” أعضاء الكنيست العرب صباح مساء، وحتى لو دخل هذا الحزب في الائتلاف الحكومي أو دعم ذلك الحزب من الخارج أو شكل كتلة مانعة…
والمصيبة أن هؤلاء يعرفون هذه الحقيقة، ومع ذلك يوهمون الناس بأن الفرج قريب، وأن ما عليهم سوى الإدلاء بأصواتهم لصالح تلك الأحزاب حتى يجلبوا لهم راس غليص ويجيبوا الذيب من ذيله.
في النقب أكثر من 40 قرية غير معترف بها، يعيش أهلها في ظروف قاسية جدا، بلا ماء ولا كهرباء ولا بنى تحتية ولا مدارس ولا مراكز صحية ولا وسائل نقل ولا أراض للبناء، وهم مع ذلك مهددون بالاقتلاع وهدم البيت. وهذا الوضع ليس أنه لم يتغير منذ 1948، بل يزداد سوءا عاما بعد عام، بما في ذلك تدمير المزروعات، وهدم البيوت، ومصادرة الأراضي وتجريفها وتحريشها… والشيء الجديد الوحيد الذي يلاحظ في السنوات الأخيرة هو شيطنة أهل النقب واتهامهم بالعنف والسرقة، ومؤخرا جرّهم إلى مربعات الخطر الأمني وتشكيل مليشيات بعد أن كانت “تهمتهم ” الوحيدة “أيام الزمن الجميل” أنهم “معتدون على أراضي الدولة”.
نسبة البطالة عالية جدا في النقب وهي أعلى نسبة في البلاد، إذا تصل بالمتوسط إلى 13%، مقابل 3.2% متوسط البطالة في البلاد. كما يسجل النقب أعلى نسبة فقر في البلاد، حيث تصل إلى نحو 40% حسب معطيات مؤسسة التأمين الوطني، بينما تشير دراسات ميدانية مستقلة إلى أن النسبة تتجاوز 60%.
وبالنسبة لهدم البيوت: في سنة 2018، في عز قوة المشتركة، هدم أكثر من 2000 بيت. وفي عهد ائتلاف حكومة بنط- لبيد- عباس ارتفع العدد إلى 3000 بيت.
يحدث هذا تحت أنف أحزاب الكنيست الناطقة بالعربية، التي تفتل عضلات حناجرها في كل جولة انتخابات، دون أن يتجاوز رجع الصّدى.
وقد أشرتُ في ركلة سابقة- وبالأدلة- إلى وهم الاعتراف بثلاث قرى أيام تلك الحكومة التي شاركت فيها القائمة الموحدة، كيف أن الاعتراف بقي حبرا على ورق، في حين أن نفس تلك الحكومة، وبواسطة وزيرة داخليتها (أييلت شاكيد)، قررت بناء أربع مستوطنات يهودية جديدة، وأقرت خطة لبناء خمس مستوطنات على طول شارع 25 (بئر السبع- ديمونا). هذه هي حقيقة موقف المؤسسة الإسرائيلية من قضية النقب، ومن أهل النقب العرب الفلسطينيين.
فواصلوا أنتم اللطم والعويل، وواصلوا إيهام الناس بأن فردوسهم المفقود موجود في الكنيست.