أخبار رئيسيةأخبار وتقاريرالضفة وغزة

ثلاث سنوات بلا إطارات جديدة.. كيف تتحرك السيارات في غزة؟

في غزة، لم يعد إصلاح إطارات السيارات المتهالكة مجرد مسألة تتعلق بالصيانة أو السلامة على الطريق، بل تحول إلى ضرورة تمس تفاصيل الحياة اليومية لسكان القطاع. فمع صعوبة الحصول على إطارات جديدة وارتفاع تكاليف الإصلاح، يجد أصحاب المركبات أنفسهم مضطرين إلى الاستمرار في استخدام إطارات مستهلكة وإخضاعها لعمليات إصلاح متكررة، في ظل غياب البدائل واستمرار القيود المفروضة على إدخال العديد من مستلزمات إصلاح الإطارات الأساسية.

وفي ظل هذه الظروف، تحولت ورش صيانة وإصلاح الإطارات إلى مساحات للبحث عن حلول استثنائية، إذ يلجأ العاملون فيها إلى أساليب مبتكرة وغير مألوفة لإطالة أعمار الإطارات المستهلكة وإعادتها إلى الخدمة مرة بعد أخرى، في محاولة لسد فجوة النقص الحاد في السوق وتمكين المركبات من مواصلة السير أطول فترة ممكنة.

طرق مبتكرة وغير تقليدية
ظهرت أساليب غير تقليدية، من بينها حشو الإطارات ومعالجة التشققات والثقوب بخليط من الطحين والماء، في محاولة لتأجيل استبدالها في ظل صعوبة توفير إطارات جديدة. وبينما تتيح هذه الحلول للمركبات مواصلة العمل وتلبية احتياجات السكان جزئيا، فإنها تظل إجراءات اضطرارية ومؤقتة لا تخلو من أخطار حقيقية على سلامة السائقين والركاب.

طفلان يشاركان في إصلاح إطار سيارة داخل ورشة في غزة، بواسطة خليط من الطحين والماء، وسط شح الإطارات وارتفاع كلفة استبدالها

وتزداد خطورة الأزمة مع تدهور حالة الطرق والشوارع التي تعرضت لأضرار واسعة خلال الحرب، مما يضاعف الضغط على إطارات المركبات ويجعل القيادة بإطارات متهالكة تهديدا مباشرا للسلامة.

وبين الحاجة الملحة إلى التنقل وغياب قطع الغيار والمستلزمات اللازمة، أصبح الإطار بالنسبة إلى كثير من الغزيين قطعة أساسية لاستمرار الحركة والحياة، وليس مجرد جزء من السيارة يمكن استبداله بسهولة.

وحسب بيانات وزارة الاقتصاد، بلغ العجز في إطارات السيارات في قطاع غزة 100%، إذ لم يدخل القطاع أي إطار جديد منذ 3 سنوات من الحرب، وهو ما عمق أزمة قطاع النقل وأجبر المواطنين وأصحاب المركبات على التعامل مع الإطارات القديمة والمتهالكة في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع.

محاولات ترقيعية غير مألوفة
داخل ورشته، ينوع عبد الله القايض محاولات إنقاذ إطارات السيارات المتهالكة، بين ترقيع الأجزاء الممزقة وترميم التشققات بأجزاء من رقع المطاط المتآكل ومادة “الجوما” اللاصقة، وصولا إلى استخدام خليط من الطحين والماء وحشو الإطارات به لسد الثقوب التي تعجز المواد الأخرى عن معالجتها، في محاولة لمنح الإطار أسابيع إضافية قبل أن يصبح استبداله أمرا لا مفر منه.

ويوضح القايض أن صيانة الإطارات كانت تقتصر قبل الحرب على ترقيعها مرة واحدة قبل استبدالها بأخرى جديدة، في ظل توفرها وانخفاض أسعارها آنذاك.

ويقول في حديث للإعلام: “هذه الممارسات لم تكن مألوفة قبل الحرب، أما الآن فقد تغيرت المعادلة بالكامل، فلم يعد الإطار يرقع مرة واحدة، بل نضطر إلى إعادة ترقيع الإطار نفسه مرات متكررة، في محاولة لإبقائه صالحا للسير لأطول فترة ممكنة، باستخدام وسائل مبتكرة لم تكن مألوفة من قبل”.

ومع ندرة الإطارات، ارتفعت كلفة المواد المستخدمة في إصلاحها. ويشير القايض إلى أن سعر رقعة البنشر “سدادة الثقب” قفز من 5 شواكل (نحو 1.7 دولار) قبل الحرب إلى 100 شيكل (نحو 33 دولارا) حاليا مع صعوبة توفيرها.

وفي المقابل، ارتفع سعر الإطار الواحد، إن توفر، من نحو 170 شيكلا (نحو 56 دولارا) إلى قرابة 3000 شيكل (نحو 990 دولارا). كما وصل سعر كوي ولحام الكاوتشوك إلى 400 شيكل (نحو 132 دولارا)، بعدما كان 25 شيكلا (نحو 8.3 دولارات) قبل الحرب.

غير أن المشكلة لا تتوقف عند ارتفاع الأسعار، فالإفراط في ترقيع الإطار ينعكس مباشرة على سلامته. ويحذر القايض من أن الإطار الذي خضع لإصلاحات متكررة يفقد جزءا من مواصفاته الفنية ومستوى الأمان المطلوب، مما يجعله أكثر عرضة للانفجار المفاجئ أثناء القيادة، خصوصا عند السرعات العالية أو تحت الأحمال الثقيلة.

نقص يعطل شريان الحياة
يقضي السائق بلال رجب يومه متنقلا بين ورش تصليح الإطارات، بحثا عن مواد أساسية أصبحت نادرة، مثل اللاصق وقطع المطاط والسيليكون.

ويقول في تصريح إعلامي “معاناتنا لم تعد تقتصر على تلف الإطار، وإنما تبدأ من البحث عن مكان يستطيع إصلاحه، ثم توفير المواد اللازمة لذلك. ننتقل من ورشة إلى أخرى، وأحيانا نضطر إلى الانتظار أياما حتى تتوفر المادة المطلوبة. وفي ظل عدم توفر إطارات جديدة، يصبح إصلاح الإطار القديم الخيار الوحيد أمامنا، مهما تكررت أعطاله”.

ويضيف: “70% من المركبات وسيارات النقل توقفت بسبب تهالك الإطارات وعدم توفر البدائل اللازمة لاستبدالها، ونقص الزيوت والوقود، مما أدى إلى خروج أعداد كبيرة منها عن الخدمة وتعطل حركة النقل وتفاقم صعوبات تنقل السكان ونقل البضائع والاحتياجات الأساسية”.

أزمة اقتصادية وإنسانية مركبة
لا يعكس لجوء السائقين إلى حلول غير مسبوقة مجرد نقص في مستلزمات الصيانة، وإنما يكشف عمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية المركبة التي يعيشها قطاع غزة، حيث أصبحت أدوات البقاء نفسها موضع استنزاف.

وفي هذا السياق، توضح الباحثة والمحللة في الشأن الاقتصادي سمر هارون أن تعطل وتضرر أكثر من 70% من وسائط النقل في القطاع أدى إلى شلل واسع في حركة الشحن والنقل، وانعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع الأساسية وتكاليف نقلها، فضلا عن ارتفاع أجور النقل اللازمة لإيصال المساعدات الإنسانية، بما يفاقم التضخم وغلاء المعيشة ويزيد الأعباء على الأسر التي تعاني أصلا من تراجع قدرتها الشرائية.

وتقول في تصريحات صحفية: “استخدام الطحين، وهو مادة غذائية أساسية، في محاولات إبقاء الإطارات قيد الخدمة يحمل دلالة تتجاوز الحاجة إلى إصلاح مركبة، فحين تتحول المواد الغذائية إلى بدائل لمستلزمات التشغيل، فإن ذلك يعكس مدى تضاؤل الخيارات المتاحة أمام السكان، ويضيف ضغطا جديدا على منظومة الغذاء وإنتاج الخبز وتوفير الدقيق”.

وتشير سمر إلى أن الخسائر لا تقتصر على المركبات، بل تمتد إلى الأصول الاقتصادية وسبل العيش، في ظل تدمير وتضرر عشرات الآلاف من السيارات بمختلف أنواعها والورش المرتبطة بها، وهو ما حرم آلاف الأسر العاملة في قطاعي النقل والصيانة من مصادر دخلها، ودفع بمعدلات البطالة والفقر إلى مستويات عليا.

وتخلص إلى أن إنقاذ قطاع النقل من الانهيار لا يمكن أن يتم عبر حلول ترقيعية أو بدائل مؤقتة، بل يتطلب تدخلا دوليا جادا يفضي إلى رفع القيود المفروضة على القطاع وفتح المعابر والسماح بدخول الإطارات وقطع الغيار ومواد الصيانة وسائر المستلزمات التشغيلية، باعتبار أن استعادة حركة النقل تمثل جزءا أساسيا من استعادة النشاط الاقتصادي والحياة اليومية في غزة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى