أخبار وتقاريردين ودنياومضات

ليس كل مبتسم سعيدًا.. وليس كل صامت بخير

ليلى غليون

ليس بالضرورة أن كل من يبتسم في وجوهنا سعيدًا، وليس بالضرورة أن كل من نلتقي به ونسأله عن أحواله فيقول أنا بخير، هو فعلًا بخير، وليس كل من تراه هادئًا صامتًا هو مرتاح البال. فهناك من أتقنوا إخفاء آلامهم وأوجاعهم وما يعتمل في صدورهم حتى عن أقرب الناس إليهم.

فكم من مرة جلست بجانب شخص تراه يضحك ويتحدث مع الحضور بكل ثقة وحماسة، ثم شعرت لسبب ما لا تعرفه أن خلف ضحكته وفي ثنايا كلامه حكاية أو ألمًا مخفيًا؟ وكم من مرة التقيت بشخص فسألته: (كيف حالك) فأجاب بابتسامة سريعة: (أنا بخير)، بينما عيناه تقولان شيئًا آخر؟

تراهم يمرون بيننا بهدوء، وربما يعيشون معنا ويضحكون معنا ويشاركوننا في سهراتنا وأحاديثنا، بل يسألون هم عن أحوالنا باهتمام بالغ، بينما تخفي دواخلهم أشياء كثيرة وهمومًا أكثر لا يستطيعون البوح بها، أو ربما لا يريدون إزعاج أحد بمشاكلهم، أو ربما اعتادوا أن يكونوا أقوياء أمام الناس حتى لا يسمعون صوت انكسارهم وأنينهم، أو ربما جربوا أن يتحدثوا ذات يوم عما يجهد ويرهق قلوبهم ونفوسهم فلم يجدوا من يسمعهم أو يفهم أو يتفهم مشاعرهم فاختاروا الصمت وأثروا السكوت.

والمؤلم في الأمر، أن هناك من يفسر هذه الحالات بغير حقيقتها ويظن في أهلها الظنون، كأن يرى إنسانًا مثلًا قليل الكلام فيظنه متكبرًا متعجرفًا، وهو في الحقيقة مثقل بما لا يستطيع الحديث عنه، أو يرى آخر دائم الابتسامة والضحكة، فيظنه يعيش أجمل أيامه وأن أيامه كلها سمن وعسل، بينما هو في الحقيقة يخوض معركة ضروسًا في داخله لا يعلم وجعها إلا الله، أو أن شخصًا ما تربطه به علاقة وقد اعتاد وجوده معه، ثم بدأ ينسحب تدريجيًا ويتجنب الناس ويبتعد عنهم، ليحكم عليه بسرعة ويقول: لقد (تغير) أو لم يعد يحبه أو يهتم بصداقته، بينما الحقيقة تقول إنه كان هو بحاجة منه لسؤال صادق يسأله فيه عن أحواله وسبب بعده وغيابه، يسأله كيف حالك، سؤال فعلي وليس مجرد سؤال عابر يسمع إجابته ويكتفي بها ثم يمضي لحال سبيله… كيف حالك فعلًا لا مجرد تحية يلقيها عليه وانتهت القصة… سؤال يترجم اهتمامًا حقيقيًا ومحبة خالصة لا مجاملة فيها يسأله: هل هناك شيء يؤلمك يا صاحبي؟ هل أستطيع مساعدتك؟

فالإنسان لا يتغير دائمًا لأنه لم يعد يحبنا، ولا يبتعد دائمًا لأنه متكبر علينا، ولا يصمت دائمًا لأنه لم يعد يهتم بنا، فقد يكون قد تحدث من قبل ولكن لم يجد من يسمعه أو يفهمه، أو ربما يخشى أن يُنظر إليه بعين الشفقة، وأحيانًا لا يعرف أصلًا كيف يصف ما يشعر به فيؤثر الصمت. والمشكلة أننا لا ننتبه إليه إلا بعد فوات الأوان، والسؤال: هل حاولنا أن نعرف، أن نتفهم… أن نحاول أن نساعد؟

نحن لا نرى من حياة الآخرين إلا المساحة التي يسمحون لنا برؤيتها، صحيح أننا نرى الابتسامة، لكننا لا نرى ما وراءها، نسمع الضحكة ولا نسمع ما الذي سبقها، نرى الشخص بين الناس ولا نعرف كيف حاله عندما يعود إلى بيته ويغلق الباب خلفه، لذا ليس كل صامت بخير، وليس كل مبتسم سعيدًا، وليس كل من ابتعد عن الناس قد استغنى عنهم أو تغير ولم يعد يهتم بهم.

فقبل أن نقول: فلان (تغير) أو نتساءل: لماذا فلان تغير معنا؟ نسأل أنفسنا أولًا: ترى ماذا حدث له، وقبل أن نثقله بعتابنا له عن غيابه نسأل أنفسنا عن سبب غيابه، وقبل أن نفسر صمته بأنه غرور أو تكبر، لعلنا نقترب منه ونمنحه فرصة ومساحة آمنة للكلام.

فما أكثر من أنهكت الهموم أرواحهم وقلوبهم في هذا الزمان الصعب والذي استشرت فيه الأنانية والفردانية والمصالح الشخصية، وقل فيه من تؤرقه وتشغله هموم الآخرين، وكم من مهموم يتمنى لو يسأله أحدهم سؤالًا ليس المقصود منه معرفة أموره الشخصية ولا التنقيب عن أسراره الخاصة، بل سؤال ينم عن محبة وأخوة عما أهمه… عما يؤلمه… ماذا بك؟ أشعر أنك لست بخير…، فربما كل ما يحتاجه هذا المهموم شخص واحد يلاحظ صمته، يلاحظ تغيره، ربما هو بحاجة فقط لصاحب مشاعر مرهفة تسمع أنينه دون أن يتكلم بما لا يستطيع البوح به، فكونوا ذلك الشخص… وانتبهوا لمن حولكم، وحين نقول انتبهوا لمن حولكم، فليس المطلوب أن يكون الواحد منا طبيبًا أو منقذًا، ولا يعني ذلك أن علينا أن نحل مشكلات الجميع، فلسنا مطالبين بذلك وقد لا نستطيع، وإن كنا نقدر فلنفعل، ولكننا مطالبون بالإنسانية، مطالبون أن نخلع عنا ثوب الأنانية وثوب عدم الاكتراث وثوب (أنا شو دخلني، أنا شو بعنيني) وأن ننتبه، أن نلاحظ، أن نسأل، أن نسمع، أن نكون موجودين حين يحتاجنا الآخر إن كنا قادرين، فهذه من أبجديات الإنسانية، بل هي من صميم ديننا ولب عقيدتنا، يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مؤمنًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه….)، فقد لا تستطيع أن تحل مشكلة صديقك… قريبك… جارك… ابن بلدك، ولكن تستطيع أن تجلس معه فتخفف عنه، وقد لا تستطيع تغيير ظروفه الصعبة، ولكن تستطيع أن تمنحه بعضًا من وقتك واهتمامك وشعورك، فتشعره أن الدنيا بخير لأن فيها أمثالك.

• فكن أمانًا له لا عبئًا إضافيًا عليه ترميه بسوء الظنون والأحكام المسبقة، وذلك عندما تشعر أنه قد ابتعد عنك واعتزل الناس وتغيّر، وقبل أن تقول: (تغيّر) قل: (لعله يمر بشيء لا أعلمه) فالتماس الأعذار من شيم الكرام وأصحاب المروءة، ويُبقي على المودة وسلامة القلوب ولا يكلفك شيئًا.

• لا تستهن بكلمة طيبة ولا مكالمة قصيرة، ولا تنتظر مناسبة حتى تتواصل، اتصل بصديق غاب وانقطعت عنك أخباره، زر قريبًا ابتعد عنك فجأة أو على الأقل اسأل عنه، أرسل رسالة لمن خطر ببالك، فليس المطلوب أن يكون السبب كبيرًا والمناسبة أكبر لتستحق منك الاهتمام والسؤال.

• لا تجعل سؤال (كيف حالك) مجرد سؤال للمجاملة، (كما هو اليوم) حاول أن تسمع وتصغي للإجابة التي تختفي في لحن القول.

• إذا فتح لك قلبه فاحفظ أمانته، ولا تحوّل ما به من أوجاع إلى قصة يتداولها الناس في مجالسهم، فالثقة التي منحك إياها هذا الشخص المتعب أمانة بين يديك فصنها.

• انتبه للتغيرات المفاجئة في السلوك، العزلة الشديدة، ظهور علامات معاناة واضحة، فكل ذلك يستحق الاهتمام والسؤال.

• تعلم فن الاستماع والانصات، فليس كل إنسان يريد منك حلًا لمشكلته، أحيانًا يحتاج فقط أن تسمعه دون أن تقاطعه أو تحكم عليه أو تقارنه بالآخرين (غيرك عنده هموم أكبر من همك) فكن إنسانًا قبل أن تكون قاضيًا.

وفي نهاية المطاف، ربما لا نستطيع معرف أو قراءة كل ما تخفيه القلوب من آلام، (وربما ذلك ليس من حقنا) ولا نستطيع معرفة المعركة التي تدور رحاها في والتي يخوضها الآخر خلف ملامحه الهادئة، ولا معرفة ما إذا كان هذا الذي يبتسم في وجوهنا يخفي وراء ابتسامته ألمًا كبيرًا، ولكن في نفس الوقت، يجب أن لا ننتظر اعترافًا من أحدهم بالألم حتى نقوم بالسؤال عنه ونبدي الاهتمام به، ولا ننتظر الدموع حتى تسيل من عيني مهموم حتى نعرف أو نصدق أنه يعيش فعلًا في قلب المعاناة. فكم من شخص حولك يتألم وأنت لا تدري، اقترب ممن حولك، اقترب ممن تحب، اقترب ممن لهم حق عليك، اقترب ممن تشعر أنك تستطيع أن تكون لهم سندًا وعونًا، افعل ما يجب فعله، وقل لهم ما يجب أن يقال، واسأل عنهم قبل فوات الأوان، وقبل أن يكون السؤال متأخرًا، فربما أعظم ما تقدمه لإنسان أن تكون أنت الشخص الذي انتبه لصمته وألمه حين لم ينتبه إليه أحد.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى