عندما تتحول الوسيلة إلى غاية

أحمد سليمان
عندما تتراجع سردية المجتمع، وتضعف ذاكرته الجمعية، وتضطرب بوصلته الوطنية، ينشأ فراغ سياسي لا يدوم طويلًا؛ إذ سرعان ما تملؤه معركة طارئة، غالبًا ما يصنعها الصوت الأعلى على حساب الحقيقة الأعمق. وفي لحظات الخوف والتهميش وفقدان المعنى، يصبح المجتمع أكثر استعدادًا للتعلق بأي ساحة تمنحه شعورًا بالحضور، حتى لو كانت تلك الساحة عاجزة عن حماية وجوده أو تحقيق تطلعاته الأساسية.
في هذا السياق، تحولت معركة الكنيست، لدى قطاعات واسعة من النخب والأحزاب، من أداة سياسية محدودة إلى معركة كبرى يُراد لها أن تختصر الوجود كله. صار عدد المقاعد مقياسًا للقوة، ونسبة التصويت دليلًا على الانتماء، والعبور أو السقوط عند نسبة الحسم معيارًا للنجاح والفشل الوطنيين. وبذلك جرى اختزال مجتمع كامل، بتاريخه وحقوقه وذاكرته وقضاياه الوجودية، في صندوق اقتراع يُفتح مرة كل عدة سنوات، ثم يُغلق تاركًا الأسئلة الكبرى بلا إجابة.
المشكلة لا تكمن في مجرد السجال القائم حول الكنيست، بل في تحويلها إلى مركز الكون السياسي، وفي تقديم معركتها كأنها المعركة الوحيدة التي تستحق أن تُستنزف فيها الطاقات، وتُعقد من أجلها التحالفات، وتُفتعل حولها الخصومات، وتُشق بسببها الصفوف. فالوسيلة، حين تنفصل عن غايتها، قد تتحول إلى قيد، والأداة، حين تتضخم في الوعي، قد تصبح بديلًا عن المشروع الذي كان يُفترض أن تخدمه.
هنا تحديدًا تظهر صورة دون كيشوت وهو يندفع بشجاعة كاملة نحو طواحين الهواء، متوهمًا أنها عمالقة ينبغي إسقاطهم. لم يكن ينقصه الحماس، ولم تكن شجاعته موضع شك، لكن مأساته كانت في سوء تشخيص المعركة. لقد امتلك إرادة القتال، لكنه أخطأ في تحديد ميدان المعركة؛ فوجه سيفه إلى الصور المتخيلة، بينما ظل التهديد الحقيقي خارج مجال رؤيته.
وهكذا يبدو اللهاث خلف الكنيست في كثير من الأحيان: حماسة متجددة، وشعارات مرتفعة، وتحالفات تنشأ وأخرى تنهار، وخصومات تُستدعى من الماضي، وانقسامات تتسع، وكأن المجتمع يقف كل مرة أمام معركة “مصيرية” بين البقاء والزوال. وما إن تنتهي الانتخابات حتى تبدأ الاستعدادات للانتخابات التالية، في دورة مغلقة تمنح الجميع شعورًا بالحركة، من دون أن تضمن تقدمًا حقيقيًا.
لكن الأخطر من ذلك أن الانشغال بطواحين الهواء البرلمانية يحجب عن المجتمع معركته الحقيقية: معركة الوجود والبقاء والحفاظ على الثوابت. فبينما تتنافس الأحزاب على المقاعد، تتراجع اللغة، وتضعف الهوية، وتتفكك البنية الاجتماعية، وتتآكل الذاكرة الجمعية، وتتسع دوائر العنف والفقر والاغتراب. وبينما تُستهلك الطاقات في الحسابات الانتخابية، تبقى قضايا الأرض والمسكن والتعليم والاقتصاد والثقافة والتنظيم المجتمعي معلقة، أو تُعالج بوصفها ملفات موسمية لا باعتبارها ركائز لمشروع بقاء متكامل.
معركة الوجود ليست شعارًا عاطفيًا، بل مشروع طويل النفس. إنها معركة حماية الإنسان والمكان والهوية واللغة والذاكرة والرواية. وهي معركة بناء المؤسسات المستقلة، وتعزيز التضامن الداخلي، وتحصين الأجيال الجديدة، وترسيخ الانتماء، والمحافظة على الثوابت الوطنية والأخلاقية التي تمنع المجتمع من الذوبان أو التحول إلى مجرد جمهور انتخابي تستدعيه الأحزاب عند الحاجة.
إن المجتمع الذي لا يمتلك سردية واضحة عن ذاته، ولا يعرف من أين جاء وإلى أين يريد أن يصل، سيظل يبحث كل يوم عن معركة رمزية جديدة. مرة تكون المعركة حول نسبة الحسم، ومرة حول ترتيب المقاعد، ومرة حول اسم القائمة، ومرة حول هوية المرشح، فيما تتراجع المعركة الكبرى إلى هامش الوعي. وحين يحدث ذلك، يصبح الصوت الانتخابي أعلى من صوت الوجود، ويتحول التكتيك إلى عقيدة، والمقعد إلى وطن، والتمثيل الشكلي إلى بديل وهمي عن القوة الحقيقية.
السردية، في هذا المعنى، ليست ترفًا ثقافيًا أو تمرينًا لغويًا، بل هي أداة من أدوات الأمن القومي للمجتمع. إنها التي تحدد له ما الذي ينبغي أن يحميه، وما الذي يمكن أن يفاوض عليه، وما الذي لا يجوز أن يتحول إلى سلعة انتخابية. وهي التي ترسم الحدود بين الثابت والمتغير، وبين الغاية والوسيلة، وبين المعركة الحقيقية والمعركة التي تُصنع لإشغال الناس عنها.
لعل دون كيشوت لم يكن أحمق كما اعتدنا أن نتصوره، بل كان ضحية فراغ في المعنى دفعه إلى صناعة معركة تناسب شجاعته، ولو لم تكن موجودة في الواقع. ونحن اليوم لسنا بعيدين عنه؛ إذ لا ينقصنا الفرسان، ولا تغيب عنا الحماسة، لكننا نواجه خطرًا أشد تعقيدًا: أن تُهدر الطاقات في معركة خاطئة، وأن تُستنزف الإرادة في مطاردة نتائج عابرة، وأن يواصل الجميع محاربة طواحين الهواء بينما تتعرض الأرض تحت أقدامهم للتآكل.
المعركة الحقيقية ليست معركة الوصول إلى الكنيست، بل معركة ألا نفقد أنفسنا في الطريق إليه. وليست معركة الحصول على مقعد إضافي، بل معركة الحفاظ على شعب يمتلك ذاكرة وثوابت ومشروعًا وقدرة على البقاء. فالكنيست، مهما ارتفع عدد المقاعد فيه، لا يستطيع أن يكون بديلًا عن مجتمع قوي يعرف ذاته، ويحمي روايته، ويبني مؤسساته، ويدرك أن وجوده أوسع من صندوق اقتراع، وأعمق من خطاب انتخابي، وأكثر دوامًا من دورة برلمانية عابرة.
