محمَّد أركون عن عزمي بشارة: “أستغرب كيف يخرج من الشعب الفلسطينيُّ إنسان بهذا الشكل”

توفيق محمد
بعد أن أنهى عبد الوهاب دراوشة علاقته مع النظام السوريِّ في أواسط التسعينيَّات من القرن الماضي 1994، أو قريبا من ذلك لأنَّه رفض أن يجعل مكتبه مكتبا لحزب البعث، وكان دراوشة قد ترأَّس وفدًا من العرب الفلسطينيِّين في إسرائيل في آذار/ مارس 1994 زار سوريَّة والتقى الرئيس السوريِّ حافظ الأسد، بعد ذلك كان المرشَّح الأبرز لدى النظام السوريِّ للقيام بهذا الدور هو لطفي، لكن لطفي لم يصبح مستشارا بفضل نصيحة أحمد، فأصبح عزمي هو المستشار بعد أن قدَّمه هيكل للنظام السوريِّ.
أمَّا لطفي فهو لطفي مشعور صاحب ورئيس تحرير صحيفة الصنارة الاسبوعيّة، وذلك لأنَّ الصنارة في حينه كانت تعتبر الصحيفة الأكثر انتشارا في الداخل الفلسطينيِّ، والأكثر تأثيرا وفق الاعتقاد السوريّ، أمَّا أحمد، فهو أحمد حازم من سيكون مدار الحديث والمعطيات معه في هذا التقرير، وهو صحفيٌّ مخضرم عاش في المانيا ردحا من الزمن وعمل مراسلا في أوروبا لصحف وشبكات تلفزيونية عربيَّة، كما عمل لسنوات طويلة مسؤولا عن الأخبار العربيّة في وكالة أنباء ألمانيّة، ومحررا لشؤون الشرق الأوسط في وسائل إعلام ألمانيّة، زار العديد من الدول العربيّة وربط علاقات متينة مع السياسيّين والقادة وصنّاع الراي، أمّا عزمي، فهو عزمي بشارة (مواليد الناصرة، 22 تموز 1956 (مفكر وأكاديميّ وكاتب سياسيّ وأديب فلسطينيّ من عرب 48 (يحمل الجنسيّة الاسرائيليّة، حاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة، وكان قائدًا للتجمع الوطنيّ الديمقراطيّ وأحد أهم مؤسِّسيه في إسرائيل، كما كان نائبًا سابقًا عنه في الكنيست الإسرائيليّ يشغل حاليًا منصب مدير عامّ المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، وأما هيكل، فهو محّمد حسنين هيكل (1923 – 2016) إعلاميّ مصريّ بارز ولد في عهد الملك فؤاد الأوّل وعاصر الملك فاروق آخر ملوك مصر، وتفاعل مع سبعة رؤساء في عهد الجمهوريّة. بدأ مساره المهنيّ أيّام الحرب العالميّة الثانية، وسطع نجمه مع رفيق دربه الرئيس جمال عبد الناصر وكان ظلّه الذي لا يفارقه ومستشاره الشخصيّ ويده الإعلاميّة الضاربة، وقف ضد حكم الرئيس محمد مرسي، وأيّد انقلاب عبد الفتاح السيسي، وهو ما جلب عليه نقمة معارضي الانقلاب.
يبدأ الصحفيُّ أحمد حازم حديثه معي يوم 23/7/2026 بالقول: “إنَّ لطفي هو من صنع من عزمي بشارة مفكرا عربيا”، وقبل أن يوضِّح ذلك تجاوز مرحلة زمنيَّة ليست بالقصيرة لينتقل إلى برلين، حيث كان عضو الكنيست عزمي بشارة الذي أنهى دراسة الدكتوراة في جامعة هومبولت في برلين الشرقيّة، يوم كانت برلين شرقيّة وغربيّة، قد دُعيَ لإلقاء محاضرة هناك، وكنت قد التقيت بشارة على هامش المحاضرة، وسألني عن إمكانية ترتيب لقاء له مع السفير السوريّ في برلين، أو مع الملحق العسكريّ في السفارة السوريّة، ولمّا كانت علاقتي بالنظام السوريّ غير جيّدة، فقد استثمرت علاقتي بالملحق الصحفيّ للسفارة السوريّة في برلين الصحفي نبيل شريتح وكانت علاقتي به جيِّدة، وكان زميلا وصديقا، وكان هو من رجال عبد الحليم خدّام الذي كان كما قال لي شريتح فلسطينيّا حتى النخاع، ولكنّه كان يخفي ذلك، ولا يستطيع إظهاره، وقد تواصلت مع شريتح، وقلت له إنَّ عزمي بشارة معنيٌّ بترتيب اللقاء أعلاه مع السفير السوريّ في برلين، أو مع الملحق العسكريّ للسفارة السوريّة في برلين (وكان السفير السوريّ في برلين من المقربين جدا من الرئيس حافظ الأسد)، وقد طلب شريتح من السفير ترتيب هذا اللقاء إلّا أن الطلب رُفض، ولكن عزمي لم ييأس..!
في المحاضرة -يواصل حازم- إيّاها التي دُعي عزمي لإلقائها في برلين جلس بجانبي مراسل صحيفة السفير وإذاعة “مونت كارلو” الزميل الصحفيّ غسان حمد، وهو صديق قريب، فسألني ماذا أسأل عزمي بشارة، فقلت له: اسأله: “أنت تعطي انطباعا أنّك الوطنيُّ الأكبر، ولكنّك في ذات الوقت تقسم يمين الولاء لإسرائيل، فكيف توفِّق بين الأمرين؟ فأجاب عزمي هذا السؤال ليس منك انّما ممَّن يجلس بجانبك، وبعد المحاضرة سألني عزمي: هل كان السؤال منك أم من حمد، فلم أجبه عن سؤاله إنَّما قلت له: هل تعتقد أنَّ في السياسة شرفا”.
سوف نعود إلى عزمي لاحقا، ولكن من أجل ترتيب الأحداث لا بد من الانتقال أحيانا الى قصص قد تبدو خارج السياق، لكنها في الواقع تشكِّل ضفيرة شعر واحدة تجمعها الكثير من الشعرات لتصل إلى مظهرها النهائيِّ مجدولة تتشابك شعراتها وتتراصّ، فالراحل لطفي مشعور كان صاحب ومؤسِّس ورئيس تحرير صحيفة الصنارة الاسبوعيّة، وقد كان لصحيفته حضور بارز على الساحة الإعلاميّة، مما جعل الاعتقاد سائدا لدى النظام السوريّ أنّها أيضا صاحبة التأثير الأكبر على السياسات في الداخل الفلسطينيِّ.
يقول الصحفيّ أحمد حازم في حديثي معه: “في أحد الأيّام استدعاني لطفي مشعور إلى مكتبه وقال لي: إنَّ عزمي زاره وطلب منه أن يصفه (اي أن يصف لطفي عزمي) في مقالاته بمسمّى المفكر العربيّ، ولما سألته عن سبب ذلك قال إنّ لديه موعدا مع محّمد حسنين هيكل الصحفيّ المصريّ المعروف، وبالضبط في هذه الفترة كان الراحل عبد الوهاب دراوشة قد أنهى علاقته بالنظام السوريّ.
يقول أحمد حازم أن لطفي حدثه بأنّ شخصيَّة جولانيّة معروفة كانت قد تواصلت معه وطلبت منه كتابة مقال في صحيفة البعث السوريّة، فاستدعاني لطفي إلى مكتبه وطلب منّي قراءة المقال، ولم يكن أسلوب المقال هو نفس الأسلوب الذي يتَّبعه لطفي في مقالاته في الصنارة، فقلت له هذا ليس للصنارة، فأكَّدَ ذلك، وقال إنَّه لصحيفة البعث واستشارني في نشره، فقلت له أطلب من الشخص الذي تواصل معك أن يُنشر المقال كاملا كما هو دون حذف أو زيادة، فاذا التزم بذلك فلا بأس وإلَّا فلا تفعل، ولكنَّ الشخصية الجولانيّة المعروفة لم تتمكن من التعهُّد بذلك، فلم يُنشر المقال، ولم تتوقَّف المحاولات السوريّة عند ذلك، فقد اتصلت نفس الشخصيَّة الجولانيّة بلطفي مشعور وطلبت منه حوارا في التلفزيون السوريّ، ونصحتُه أيضا أن يكون الحوار مباشرا وليس مسجّلا، وتم رفض الأمر أيضا، عندها أدرك السوريّون أنَّ لطفي لن يكون رجلهم في الداخل.
هيكل وعزمي وحافظ وأركون
بالعودة إلى زيارة عزمي بشارة لمحمَّد حسنين هيكل كمفكِّر عربيٍّ كما وصفته صحيفة الصنارة بناء على طلبه، يقول أحمد حازم لقد تمَّت هذه الزيارة وكان من نتائجها أن رشَّحَ هيكلُ عزمي (أبا عمر) لحافظ الأسد كي يكون رجلهم في الداخل، وقد “زار عزمي منئذ سوريا عدَّة مرات، ونظَّمَ زيارات لعرب داخل الخط الأخضر للقاء أقاربهم اللاجئين في سوريَّا منذ إقامة الكيان الصهيونيِّ عام 1948”. وقد أطلق بعض الصحفيّين والسياسيّين على تلك الزيارات اسم “عزمي تورز”.
يصف الصحفيّ أحمد حازم صديقه الحميم أردنيّ الجنسيّة طبيب العيون نشأت حمارنه الذي درس طبَّ العيون في ألمانيا بالبعثيّ حتى النخاع، إلّا أنّ طينته تختلف عن طينة بعثيي سوريّا، وكانت تربطه علاقات وطيدة مع الكثير من القيادات الفلسطينيّة، ويقول حازم إنَّ د. حمارنه حدثه قائلا: “ذات يوم في العام 2000 زار عزمي بشارة برفقة الراحل سميح القاسم سوريَّا، واعتقد أنّها كانت زيارة تعزية بوفاة حافظ الأسد، وكان ما وراء كواليس هذه الزيارة الذي حدَّثَ به الدكتور نشأت الصحفيَّ أحمد حازم هو قول عزمي بشارة للرئيس السوريِّ بشَّار الأسد: “نحن العلويّون والمسيحيِّون والدروز في قارب واحد في مواجهة المدِّ الإسلاميِّ”. وقد أكَّدَ الصحفيُّ أحمد حازم ذلك مرَّة أخرى في مقال له نُشر في صحيفة المدينة يوم 24/7/2026 جاء فيه ما يلي: “وقد أخبرني الدكتور نشأت أنّ الزيارة التي قام بها عزمي بشارة إلى سوريَّا برفقة سميح القاسم عام 2000 حملت أيضًا خلفيَّة طائفيَّة، إذ قال عزمي للرئيس الأسد: “نحن المسيحيُّون والدروز والعلويُّون في قارب واحد، وعلينا مواجهة خطر المدِّ الإسلاميِّ”. وهذا الكلام صدر، بحسب ما نقل لي، عن قياديٍّ بعثيٍّ كان على اطلاع بكلِّ صغيرة وكبيرة.
أمّا المفكِّر العلمانيُّ محمّد أركون الحاصل على جائزة مؤسَّسة ابن رشد الألمانيّة السنويّة في العام 2003 يقول الصحفيُّ أحمد حازم أنَّه عندما التقاه دار بينهما حديث عن عزمي بشارة الذي كانت مؤسّسة ابن رشد قد منحته الجائزة ذاتها في العام 2002، وقد وصف أركونُ بشارةَ حسبما قال الصحفيُّ أحمد حازم: “عزمي بشارة أخطر من الصهيونيَّة على الإسلام، وأنا أستغرب كيف يخرج من الشعب الفلسطينيُّ إنسان بهذا الشكل”.
فمن هو عزمي بشارة في الحقيقة؟ وما سرُّ الطائفيَّة التي يحلو له ان ينظِّرَ لها؟ ومن هم الطائفيُّون في الحقيقة؟ ولماذا يسعى إلى جعل الإسلام جزءا من مخيلته الطائفيَّة؟
