هل تقع الحرب؟
إيران أمام خيارين: قبول الشروط الأمريكية – الإسرائيلية أو المواجهة

الإعلامي أحمد حازم
في ثمانينيات القرن الماضي، ارتكزت الاستراتيجية الأمريكية على دعم العراق في عهد الرئيس الأسبق صدام حسين في الحرب مع إيران، التي بدأت عام 1980 وانتهت بعد ثماني سنوات. لكن الأمر تغيّر عام 2003 عندما احتلت الولايات المتحدة العراق، حيث فتحت الباب أمام دخول إيران إليه، ومن هذه البوابة نفذت إلى باقي دول المنطقة، وسيطرت على عواصم عربية، من بينها بغداد ودمشق وصنعاء.
هذا الانفتاح الأمريكي على إيران ظهر بوضوح في الاتفاق النووي الموقّع في 14 تموز 2015، الأمر الذي ساعد طهران على توسيع نفوذها السياسي، الذي بلغ مداه من خلال دعم الميليشيات الحوثية للسيطرة على شمال اليمن، وتشكيل “الحشد الشعبي” في العراق، والتدخل القوي في القرار السوري في عهد بشار الأسد، إضافة إلى دعم حزب الله في الحياة السياسية والعسكرية اللبنانية. ومن خلال هذه التطورات تمكنت إيران من إعادة التموضع الجيوسياسي على الساحة الدولية، واستطاعت تفعيل مشروعها الأيديولوجي في المنطقة، مستغلةً الحالة التي نجمت عن الربيع العربي.
تغيّر المشهد كليًا بعد تولّي دونالد ترامب زمام السلطة، حيث ركّزت إدارته على إعادة محاصرة إيران، وخيّرتها بين أمرين: إما الانصياع للنفوذ الأمريكي والتخلي عن تأثيرها السياسي والاستراتيجي، وإما مواجهة عسكرية مع القوات الأمريكية. ولا بد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحشر أنفه في أي مفاوضات أمريكية مع إيران، وقد وضع شروطًا لنجاح أي اتفاق معها، أبرزها: إزالة جميع المواد المخصبة في إيران، ومنع أي قدرة على التخصيب، وتفكيك المعدات والبنية التحتية التي تسمح به، إضافة إلى الحد من برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ووقف دعم طهران لجماعاتها في المنطقة. وهي شروط رفضتها إيران بقولها: “لا ينبغي أن تكون هذه القضايا جزءًا من المفاوضات الحالية”.
ومن جهة أخرى، يشير التاريخ إلى أن زعيم إيران علي خامنئي سبق أن مرّ بحالة مشابهة عندما وافق على الاتفاق النووي مقابل رفع العقوبات الغربية عن بلاده. وفي خطاب له في أيلول 2023، صرّح خامنئي بأنه لا يعارض خطوة دبلوماسية مع الغرب، معربًا عن استعداده للتنازل ما دام ذلك يخدم بقاء النظام، ولكن دون التنازل عن المبادئ الأساسية أو القدرات الاستراتيجية. وليس من المستبعد أن يوافق خامنئي على التوصل إلى حل سلمي للخلافات مع الولايات المتحدة.
غير أن بعض المحللين يرون أن المفاوضات الأمريكية – الإيرانية الجارية حاليًا لا تسير نحو تسوية حقيقية، بل تمثل محاولة أمريكية لوضع إيران أمام خيارين لا ثالث لهما: الاستسلام للشروط الأمريكية أو الحرب. والخضوع معلوم نتائجه، لكن كيف ستكون الحرب؟
التجارب علمتنا أن الولايات المتحدة لا تخوض حربًا من دون ذريعة، بل تعمل على صياغة مبررات مناسبة. ومن أجل ذلك، تستخدم أساليب متعددة، منها التضليل. ألم تُستخدم أحداث 11 سبتمبر (الهجوم على برجي التجارة العالمي في نيويورك) ذريعة لغزو أفغانستان؟ ألم تُستخدم مزاعم وجود أسلحة دمار شامل في العراق ذريعة لغزوه وإسقاط نظام صدام حسين؟ وقد أقرّ الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى “تهديد آني” لتبرير ضربة استباقية، ما يكشف آلية التعامل الأمريكية، علمًا بأن العراق لم يكن يمثل تهديدًا حقيقيًا آنذاك.
واليوم، تواجه إيران شروطًا تعجيزية تدرك واشنطن أن قبولها مستحيل، ما قد يشكّل ذريعة لضربها بموافقة دولية.
وكان الرئيس الأمريكي قد حدّد مهلة شهر لإنهاء الاتفاق مع إيران، فردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي برد دبلوماسي قائلاً: “توجد أجواء تساعد على التوصل إلى اتفاق أفضل من اتفاق عام 2015، وإيران مستعدة لإبداء قدر كبير من المرونة لإنجاح هذه المفاوضات، من خلال تقديم تنازلات نووية لا تتجاوز الخطوط الحمراء”.
وبطبيعة الحال، إذا تعرّضت إيران لهجوم أمريكي، فلن تقف مكتوفة الأيدي، وقد تردّ بهجوم صاروخي قوي على إسرائيل. وتتحدث تقارير أمنية إسرائيلية عن استعدادات مكثفة داخل المؤسسة العسكرية لسيناريو هجوم صاروخي إيراني واسع ومدمّر في حال فشل المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران وتصاعد التوتر إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وذكر موقع “واللا” العبري أن المؤسسة الأمنية تدرس احتمال أن يؤدي انهيار المفاوضات إلى ضربة أمريكية استباقية ضد إيران، قد يُقابلها رد إيراني قاسٍ على إسرائيل، يشمل إطلاق صواريخ باليستية ثقيلة. ووفقًا للموقع، فإن السيناريو المتداول داخل الأجهزة الأمنية لا يقتصر على إطلاق صواريخ من الأراضي الإيرانية فحسب، بل قد يمتد ليشمل هجمات ينفذها حلفاء طهران في لبنان والعراق واليمن، ما يعني فتح جبهات متزامنة وإغراق أنظمة الدفاع الإسرائيلية بوابل من الصواريخ الثقيلة.
وأشار الجنرال شاي كلابر، قائد الجبهة الداخلية، إلى أن الجبهة تستعد للتعامل مع احتمال قصف باليستي مكثف قد يطال مراكز مدنية وبنى تحتية استراتيجية، مع التركيز على ضمان استمرارية عمل المرافق الحيوية حتى في ظل ضربات واسعة النطاق.
ورغم التهديدات التي أطلقها ترامب، والتهديدات المقابلة من الجانب الإيراني، فإن الجانبين أعلنا في تصريحات عديدة رغبتهما في التوصل إلى اتفاق. ويبقى نتنياهو الطرف الأكثر قرعًا لطبول الحرب، ولو كان القرار بيده لكانت المواجهة “الآن، لا غدًا”. رمضان كريم، وشعبنا الفلسطيني بألف خير.



