سـاحتُــــــنا المُستباحــــة

سـاحتُــــــنا المُستباحــــة

حامد اغبارية

حرب على الإسلام يقودها الإرهاب العالمي:

الأعمى فقط، هو الذي لا يرى الحقيقة، ولا يدرك أن ما تتعرض له الأمة من مؤامرات، منذ أواخر القرن التاسع عشر، مرورا بإسقاط الخلافة الإسلامية العثمانية، ووصولا إلى ما يسمى “الحرب على الإرهاب” إنما هو غطاء تتستر وراءه قوى الاستكبار الصليبي – الصهيوني في حربها على الإسلام.

وإن الحرب على الإسلام هي حربٌ عقدية خالصة، لها علاقة بالبدايات، كما لها علاقة بالنهايات. لها علاقة ببدايات الرسالات، ولها علاقة بنهايات هذا الصراع الذي فرضته قوى الشر على مرّ تاريخ البشرية ضد كل ما له علاقة بالتوحيد الذي جاء به كل أنبياء الله ورسله صلوات الله عليهم وسلامه، بدءا من آدم عليه السلام، فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء، وصولا إلى رسول الله محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين.

ولم تكن الحروب الصليبية التي شنها الغرب، في القرن الحادي عشر الميلادي، ضد أرض الإسلام في الشرق، إلا مرحلة من تلك المراحل، كان لها ما قبلها، وجاءت بعدها حملات وحروب وخطط ومؤامرات، لم تتوقف حتى الآن، وهي لن تتوقف حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وكان الغرض وما يزال، من كل هذه الحملات والحروب والخطط واحدا لا يتغير ولا يتبدل: اجتثاث الإسلام ومنع انتشاره، والحيلولة دون وصوله إلى الناس وإلى سدّة الحكم في أي مكان. والدافع إلى هذا كلّه ما علِمَه أعداء البشرية من أقطاب محور الشر من أن التمكين للإسلام يعني زوال ملكهم وانتهاء دورهم في حياة الجنس البشري، وعلوّ الإسلام وسؤدده بنشر العدل والقسط في الأرض، بعد أن ملأها هؤلاء ظلما وجورا وتخريبا وعنصرية وكراهية وسفكا للدماء، واستعبادا للضعفاء، ونهبا لخيرات الشعوب ومقدراتها، وتحديدا لمصائر الناس بما يخدم أطماعهم وجشعهم، ولكن الأهم من ذلك بما يخدم خطتهم الشيطانية في محاربة دين الله، في محاولة يائسة لمنع الوصول إلى مرحلة كسر العظام؛ تلك المرحلة التي لمّا يأتِ زمانها بعدُ، والتي تُحدَّدُ فيها المصائرُ، ويُفْصَلُ فيها بالقضايا والملفات التي أتعبت البشرية وأرهقتها.

وإن شعار “الحرب على الإرهاب” هو سيد المرحلة التي نعيش أحداثها في أيامنا، وقد اعتمدت قوى الشر هذا الشعار وسيلة للهيمنة على المشهد، من خلال شيطنة الإسلام وأهله، مستخدمة ماكنة إعلامية شريرة غربية- صهيونية- عربية، مسخِّرةً لها مليارات الدولارات الأمريكية، ومُشعلة حروبا لا يكاد ينطفئ أوار إحداها في منطقة حتى يشعلوا غيرها في مكان آخر، وهكذا دواليك.

تفتيت، صراعات طائفية، حروب بالنيابة

ولم تكتف تلك القوى بإشعال الحروب، بل عملت على نشر الفتن  في ديار المسلمين، بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد.

وكل هذا يجري الآن ضمن ما يعرف بمرحلة الحروب الثالثة، والتي تعرف بـ “الحرب بالنيابة”، حيث أن جيوشا عربية وإسلامية تنوب عن الغرب والصهيونية في محاربة المسلمين، بهدف تفتيت صفوفهم وإضعاف قوتهم.

يقول الرئيس الأميركي الأسبق ريشارد نيكسون في كتابه “نصر بلا حرب”: (إن رياح التغيير في العالم الثالث تكتسب قوة العاصفة، ونحن لا نستطيع إيقافها، لكننا نستطيع أن نساهم في تغيير مسارها). ويوضح نيكسون في كيفية تحقيق هذا الهدف بواسطة تغذية الصراعات الدينية والطائفية في الدول العربية، بحيث تتقاتل الشعوب بعضها مع بعض، دون أن تتدخل الولايات المتحدة مباشرة في كثير من الأحيان، بل تقدم المساعدة لتلك الدول بالسلاح والمال والاستشارة والأعمال المخابراتية. هذا ما فعلته في الحرب العراقية الإيرانية، وهذا ما تفعله اليوم في الدول العربية التي تشهد صراعات بين الشعوب وبين الأنظمة الفاشية القمعية. فالشعوب التي قررت أن تحيا حياة كريمة، وأن تحقق حريتها من ظلم الأنظمة العسكرية الباطشة فخرجت إلى الشوارع مطالبة بتحقيق العدالة ثم بزوال الأنظمة، أصبح حالها مثل سوريا، حيث تتقاتل أطراف عديدة من معسكرات متعددة، تارة مع النظام، وتارة بعضها مع بعض، في مشهد يقارب العبثية، خاصة لمّا يكون الاقتتال بين الفرق التي تسعى إلى تحقيق ذات الهدف، وهو إسقاط النظام. ولعل في قصة “داعش” والتأمل في تفصيلات وجودها على الأرض السورية والأرض العراقية، وجعبتها الفكرية التي حملت إلينا الغلو والتكفير وسفك الدماء والذبح على الشاشات، والقتل بالشبهة، ما يجعلك تفهم أبعاد لعبة الأمم التي حاكت خيوطها قوى الشر العالمي. ثم تنتقل إلى مصر فتجد مشهد الاستبداد والقمع والفساد والانقلاب العسكري على إرادة الشعب، أو المشهد في اليمن التي يموت نصف شعبها جوعا ومرضا وتشريدا، ويموت النصف الآخر في معارك طاحنة لا تبدو لها نهاية…

في أواخر القرن التاسع عشر كتب وزير خارجية بريطانيا إدوارد وود إلى اللورد إلغن الحاكم العسكري في الهند يثول: “لقد حافظنا على سلطتنا على الهند بتأليب طرف على طرف آخر، ويجب أن نستمر في هذا، وعليك أن تبذل كل جهد حتى لا يتبنى الجميع مشاعر مشتركة”. ويقول وزير الدولة البريطاني الفيكونت روس في رسالة إلى نائب ملك بريطانيا اللورد دوفرن: “تقسيم المشاعر الدينية يحقق لنا الكثير من مصالحنا”.  وهذه السياسة ما زالت تنخر في جسد الأمة الإسلامية نخر السوس في الخشب، بحيث نجحت في منع توحيد مشاعر المسلمين، وفتت صفوفهم من خلال صراعات فقهية مفتعلة، وجدت من أبناء جلدتنا من أصحاب العمائم وقادة الفرق والمعسكرات من يؤز نارها ويؤجج أوارها. ويشرح هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الشهير بعض جوانب اللعبة الدموية، فيقول في كتابه “الدبلوماسية”: “ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تحلّ كل مشكلة في العالم، لكن من مصلحتها أن تمسك بخيوط المشكلة”. وهذا بالضبط ما تفعله واشنطن وحلفاؤها الآن أيضا. وقد أكد عاموس يادلين الخبير العسكري والاستراتيجي الصهيوني الإسرائيلي هذا المعنى بقوله إنه يجب الإبقاء على الصراع في سوريا وإطالة عمره، لأن هذا يقود إلى تفكيك سوريا بما يخدم المشروع الصهيوني.

وقد عملت الولايات المتحدة وسائر دول الغرب والحركة الصهيونية بكل وسيلة وطريقة على تغيير عقيدة الجيوش العربية، من جيوش تقول إنها تريد تحرير فلسطين من المشروع الصهيوني، إلى جيوش تقتل شعوبها تحت شعار محاربة الإرهاب، كما هو الأمر في سوريا وليبيا واليمن والسعودية ومصر…

فكيف نجحت قوى الشر في تحقيق هذه الأهداف الخبيثة؟

كيف حدث الاختراق؟

لم يكن هذا الأمر ممكنا دون وجود عملاء محليين ساروا في طريق محاربة دينهم وأمتهم، وداروا في فلك أعداء الأمة بكل ما أوتوا من قذارة.

وقد عملت قوى الشر على إحداث اختراق اجتماعي وسلوكي وفكري في المجتمعات الإسلامية، لخصها القس الأمريكي صامويل مارينوس بقوله: “مهمتنا ليست إدخال المسلمين إلى المسيحية، وإنما إبعاد المسلمين عن دينهم”. وقد نجحوا في هذا الهدف إلى حد بعيد، مستخدمين وسائل شتى، ومستعينين بعملاء محليين، سواء من الأنظمة الحاكمة، التي لم تكن أكثر من مجموعات من الموظفين برتب مختلفة ما بين رئيس وملك وأمير وقائد عسكري، ومعهم جيش من “المفكرين” والكتاب والأدباء والفنانين الذين باعوا أنفسهم لشيطان أمريكا والصهيونية. وقد حدث الاختراق في اللباس والطعام والشراب وفي السلوك، وفي العلاقات بين الجنسين، وفي قضية حقوق الإنسان وحرية المرأة وغيرها من القضايا.

فهذا قاسم أمين، ذلك المفكر والكاتب المصري المعروف الذي قدّم لأعداء الأمة أكبر خدمة ضد لباس المرأة المسلمة وضد الحجاب الشرعي، من خلال أكذوبة تحرير المرأة من “قيودها” الإسلامية، سعيا إلى هدم الإسلام من الداخل.

كان قاسم أمين- وهو ابن الفلاح المصري الذي تربى في بيئة مسلمة تقليدية-  قد سافر إلى فرنسا وفي نيته الدفاع عن المرأة المسلمة، بعد أن قرأ هجوما عليها من أحد المستشرقين، لكنه سقط في براثن امرأة فرنسية (كما حدث مع طه حسين)، أسقطته في حضنها، وغيرت مجرى حياته، ودفعته إلى أن يدعو إلى نفس الفكرة التي أراد محاربتها. وربما أن تلك المرأة الفرنسية قد ألقاها أعداء الأمة في طريقه بهدف جرّه إلى التهلكة، وقد نجحوا. وكان قاسم أمين هذا قد قال قبل وفاته، معربا عن ندمه على جريمته التي اقترفها: “لقد كنت أدعو المصريين إلى اقتفاء أثر الإفرنج في تحرير نسائهم، وغاليتُ في هذا المعنى، حتى دعوتهم إلى تمزيق الحجاب، وإلى إشراك المرأة في أعمالهم وولائمهم، ولكن أدركتُ الآن خطر هذه الدعوة، بما اختبرتُه من أخلاق الناس، إذ رأيت فساد أخلاق الرجال وأخلاق النساء، ما جعلني أحمد الله أنه خذل دعوتي، واستنفر الناس إلى معارضتي”.

فانظر كيف وصلت الشابّة المسلمة اليوم مرحلة تلبس فيها الملابس الممزقة على أنها أحدث صرخات الموضة، تلك الملابس التي لو كانت حتى غير ممزقة فإنها تعتبر بالنسبة للباس الإسلامي ملابس تحتية أو داخلية، لا يجوز أن تظهر بها أمام الناس، لكنها للأسف أصبحت مسألة عادية!

وانظر إلى أبنائنا الشبان الذين أصبحوا يعلقون الأقراط في آذانهم، ويدقّون الوشم على أجسادهم، ويقصون شعرهم بقصات غريبة عجيبة تشبُّها بالمارينز الأمريكي تارة، وبحثالات البشر من مطربين غربيين أو لاعبي كرة قدم تارة أخرى.

وانظر كيف أصبح المفكرون الغربيون بمثابة قدوات للشاب المسلم، فيقتبس من أقوالهم وفلسفاتهم، ويتمثل بآرائهم، تاركا إرثا عظيما من تاريخ أمته وحضارتها ورجال فكرها وعلمائها ومبدعيها؛ تلك الحضارة الجامعة التي ما تركت مجالا من مجالات الحياة إلا وقالت فيه كلمتها، وحفرت فيه نقشا لا يزول حتى تقوم الساعة.

وانظر كيف أصبحت مصافحة المرأة المسلمة للرجل الأجنبي والرجل المسلم للمرأة الأجنبية واختلاطهما اختلاطا سيئا مسألة عادية، حتى صارت نوعا من “البريستيج” الاجتماعي، ومن خالفه اعتبروه شاذا معقدا متخلفا.

وانظر كيف أصبح سفور المرأة مظهرا عاديا، وأصبح النظر إلى العورات مسألة لا حرج فيها.

وانظر كيف أصبح اللباس الخاص بالمرأة تحديدا، مسألة ذوق شخصي لا دخل لأحد فيه.

وانظر كيف أصبحت العلاقات المحرمة حرية شخصية، ونوعا من أنواع التطور الاجتماعي.

وانظر كيف استقر في ذهن المرأة المسلمة أن جسدها ملك لها، وأن من حقها وحدها التصرف فيه كيف تشاء ومتى تشاء ومع من تشاء.

وانظر كيف جعلوا حجاب المرأة المسلمة عنوانا للتخلف، وحجر عثرة أمام تقدمها.

وانظر كيف أصبح الربا مسألة اقتصادية ضرورية في حياة المسلمين، بحيث لا يمكنهم تحقيق أي إنجاز اقتصادي بدونه!

وانظر كيف أصبح المسلم يتناول طعامه بشماله (مخالفا سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم)، مستخدما الشوكة أو الملعقة بيساره والسكين بيمينه بنفس طريقة شياطين الغرب الصليبي.

وانظر كيف أصبح المسلم يشكّك بالسنّة النبوية المطهّرة، في مسائل فقهية استقر فيها الرأي وتعتبر من الثوابت مثل مسألة الحجاب والميراث والقوامة وغيرها.

بل انظر كيف أن هناك من المسلمين من يشككون في القرآن الكريم، ويطعنون في تفسير آياته، ويفسرونها على هواهم.

هذا كلّه وغيره الكثير يندرج تحت مصطلح الغزو الفكري – الثقافي الذي رافق الغزو العسكري الاستعماري لبلاد المسلمين منذ الحملة الفرنسية على مصر وما تبعها، حتى إسقاط الخلافة الإسلامية، وتشكيل تلك الحظائر التي تسمى دولا عربية مستقلة، بينها وبين الاستقلال الحقيقي كما بين الثرى والثريا.

وقد عمل الغزاة الصليبيون على تذويب شعوب المنطقة الإسلامية، وانتزاعها من مظاهر دينها ومضامينه، وسلخها عن عقيدتها لتصبح مسخا لا قيمة له، يسهل التحكم به وتسييره بلا إرادة وبلا قوة وبلا منعة وبلا هيبة. ومن ثم عمل الغزاة على إفقار هذه الشعوب وتجهيلها وتخويفها، حتى تنشغل برغيف الخبز والأمن الشخصي والسلامة، فلا تفكر بالتحرر والانعتاق، لأنها فاقدة لأدوات التحرر الفكرية والنفسية والبشرية.

وهكذا عمل الغزاة الصليبيون- الصهاينة على تشكيك المسلمين بدينهم وبأسسه ومبادئه، وأدخلوا في روعهم أنه دينٌ لا يصلح للعصر الحاضر، وأنه رجعي ضد التقدم والرقيّ والتحضر والتنوّر. وقد عمد مؤرخوهم ومستشرقوهم إلى تشويه التاريخ الإسلامي، وتشويه سيرة صانعي هذا التاريخ، بأكاذيب وأضاليل لا علاقة لها بالحقيقة، حتى يدفعوا المسلم، الذي مرّ مرحلة قاسية من التجهيل والإفقار والتغييب، إلى أن يبغض تاريخه وصانعيه، الذين حفروا هذا التاريخ بجهادهم وجهدهم وعلمهم وإيمانهم وقرآنهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ومن ثـَـمَّ يبحث له عن قدوات في الغرب يتبع خطاهم.

والهدف الأخير

إن واجب المسلمين اليوم أن يرصوا الصفوف في مواجهة هذه الحملة الصليبية الصهيونية، وصدّها بكل قوة، ونبذ كل خلاف، وإدراك ما يحاك ضدّهم من مكائد، لأنه بوحدة صف المسلمين، خلف قيادة واحدة، كما كانت أول مرة، هي هي التي ستعجل في خلاص الأمة، ووضع حد لمعاناة الشعوب الإسلامية، وبغير هذا لن تقوم لها قائمة. ولذلك ترى كيف أن الغرب والصهيونية جنّ جنونهما عندما وصلت تيارات إسلامية معينة إلى سدة الحكم بعد ثورات الربيع العربي، فعملوا على إفشالها وإسقاطها، وسط أنهار من الدماء، ما زالت حتى الآن تجري في شوارع القاهرة ودمشق وصنعاء وتونس وطرابلس وبغداد وغيرها. وكل هذا تحت شعار “محاربة الإرهاب”، بأدوات عربية وإسلامية، وبسلاح ومدد غربي صهيوني.

الآن يمكنك أن ترجع إلى بداية المقال وما اقتبسناه من “نيكسون” و”وود” و”كيسنجر” و”يادلين” و”مارينوس”، كي تعرف أين تقف، وكيف تسير الأمور وإلى أين ستصير.

إننا نعيش اليوم أحداث بدايات الحرب العالمية الثالثة ضد الإسلام… يقودها زعران الإرهاب العالمي، والهدف الأخير: فلسطين… بلاد الشام.