اللعب على المكشوف

اللعب على المكشوف

حسام كنفاني

خرجت قضية قتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، من إطار الجريمة الجنائية، لتدخل في إطار إحداث انقلاب سياسي في المشهد العالمي عموماً، والعربي خصوصا. بات الأمر مفروغاً منه، منذ بدأت الأصوات تتعالى لفرض عقوبات دولية، ولا سيما من الدول الأوروبية، على العربية السعودية، والتي كانت، حتى وقت قريب، الحليف الذي لا غنى عنه بالنسبة إلى هذه الدول. لم تعد هذه المتغيرات تثير الدهشة، بالنظر إلى بشاعة الجريمة المرتكبة بحق خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، خصوصاً بعد تأكيد المعلومات عن تقطيع الجثة وتذويبها، وهو ما عاد في وسع الدول الغربية تجاهله، ولا تصديق الرواية السعودية عن أن العمل فردي، ومن دون قرار من أعلى مستوى في الدولة، وهو ما شدّد عليه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في أكثر من مناسبة، وجديدها في مقاله في “واشنطن بوست” قبل يومين.

غير أن الأيام الماضية حملت معطيات جديدة، تمثلت في موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بشأن الجريمة، ومن السعودية تحديداً. موقف يفيد بأن ما كان يحدث في الخفاء خلال الأشهر الماضية بات يمكن إخراجه إلى العلن بدون أي حرج، فاللعب السياسي بات على المكشوف في المرحلة الحالية، ولا حاجة للمواربة. استنفر نتنياهو على الملأ للدفاع عن السعودية، بعد ساعات من تقرير صحافي أشار إلى أنه يقوم بالوساطة لدى الإدارة الأميركية لطي قضية مقتل خاشقجي. لم يجد نتنياهو حرجاً بعد الآن من التصريح بذلك علناً، وتأكيد التقارير الصحافية، ليشدّد على الحاجة “لبقاء السعودية مستقرة من أجل استقرار المنطقة والعالم”. لم تتأخر السعودية وحلفاؤها في رد التحية بالمثل “للسيد نتنياهو”، بحسب ما وصفه وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد آل خليفة، الذي كتب في تغريدة إنّه “لدى السيد بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل موقف واضح لأهمية استقرار المنطقة، ودور المملكة العربية السعودية في تثبيت ذلك الاستقرار”، من دون أن ينسى الاستطراد بأن ذلك “رغم الخلاف القائم”. لم يوضح الوزير البحريني عن أي خلافٍ يتحدث. بالتأكيد، لا يقصد احتلال فلسطين، أو العدوان المستمر على غزة، ربما يقصد عن ترتيبات الزيارة المرتقبة لنتنياهو إلى المنامة، والتي كشفت عنها صحيفة يديعوت أحرونوت قبل أيام، بعدما أعلن نتنياهو نفسه أنه سيزور دولاً عربية أخرى، بعد زيارته الصادمة سلطنة عُمان، ولقائه السلطان قابوس بن سعيد.

الغزل الإسرائيلي العربي المكشوف اليوم هو حصيلة أشهر من التسريبات السابقة التي كانت تتحدّث عن لقاءاتٍ سرية تعقد هنا وهناك بين مسؤولين عرب، وخليجيين تحديداً، مع نظرائهم من الإسرائيليين، سيما ما قيل قبل أقل من عام عن زيارة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان ،تل أبيب، بحسب ما تسرّب في الصحف الإسرائيلية حينها. وعلى الرغم من النفي السعودي لهذه الزيارة، إلا أن المعطيات الجديدة باتت تؤكدها، وما كان سرّياً في السابق سيصبح علنياً في الوقت الحالي، في ظل الأزمة التي تعيشها السعودية التي تبحث عن حلفاء جدد لدعمها في مواجهة العزلة العالمية بعد جريمة خاشقجي.
باتت جريمة قتل الصحافي السعودي محطة مفصلية في رسم المشهد السياسي الجديد، ويمكن التأريخ عليها، فما قبلها لن يكون كما بعدها، وهو ما بدأنا نشهده من تحولات في السياسات العالمية، غير أن الأهم هو في التوجهات الإقليمية، وخصوصاً من السعودية وحلفائها، والذين باتوا يتجهون إلى مزيد من كشف الأوراق، وإعلان ما كان مستتراً من دون حرج. نتنياهو وزياراته المرتقبة لن تكون إلا البداية.