عندما يتطاول رعاء الشاء على الإخوان!

عندما يتطاول رعاء الشاء على الإخوان!

حامد اغبارية

يحضرني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: “… وإذا رأيت رعاء الشاء يتطاولون في البنيان فذلك من أشراطها / أي الساعة”، وأنا أتابع ما يحدث في جزيرة العرب على وجه الخصوص، حيث يمكنك أن تشهد تطابق معنى هذا الحديث على أراذل الناس الذين أصبحوا قادة دول، يتنعّمون بثراء فاحش، يعجز أحدهم عن قراءة سطر واحد من خطاب مكتوب، لكنه لا يعجز عن سفك دماء الأبرياء ودكِّ بيوت الآمنين فوق رؤوسهم. أهلُ بادية وأبناء قبائل متناحرة، تملّكوا بلاد المسلمين قهرا، بعون ومدد من الاستعمار، وقد كثُرت أموالهم، وراحوا يتفاخرون بالبنيان، فهذا يشيد أعلى برج في العالم، وذاك يصرف أنظار الناس عن بيت الله الحرام ببرج شاهق، يسجنون أهل العلم والشرفاء والوطنيين، والمطالبين بالعدل، ويحاربون دين الله وهم يزعمون كذبا أنهم يدافعون عنه، ويصفون الأطهارَ بالإرهاب، يلاحقونهم فيسجنون ويقتلون وينفون ويغتصبون ويصادرون الحريات والأملاك. ينهبون ثروات الأمة، ويودعونها في بنوك عُلوج الغرب، يشترون منهم السلاح ليقتلوا به أبناء أمتهم في جزيرة العرب وفي مصر والشام واليمن وسائر بلاد العرب والمسلمين، ويدعمون اقتصاد دول الغرب التي تحمي عروشهم، في وقت تصبُّ أموالُ دول الغرب، وعلى رأسها أميركا، في خزائن تل أبيب، على صورة أسلحة تقتل شعبنا الفلسطيني، ومليارات تموّل سلب أرضنا وبناء المستوطنات عليها، وتمكن للمشروع الصهيوني في بلاد الإسلام.

فهذا عادل الجبير، الذي تعلم “الرّطن” بالإنجليزية الأميركية في بلاد رعاة البقر، يقول إن الإخوان (المسلمين) جماعة إرهابية، ونعمل للقضاء على فكرهم التدميري مع شركائنا في المنطقة!!

فمن هو الإرهابي؟ وما هو الفكر التدميري للإخوان المسلمين؟ ومن هم شركاء أسياد الجبير في المنطقة؟!

إنه الفكر الذي جاء ليكشف وجوه هؤلاء القتلة، ويُسقطُ القناع عنها، لتصحوَ الأمة من غفلتها، وتعودَ إلى رشدها، وإلى دينها، ولتتخلص من ربقة العبودية التي قيّدها بها هؤلاء المجرمون.

إنه الفكر الوسطي الذي جاء لإحياء الدين في حياة الأمة، بعد أن عمل هؤلاء مع أسيادهم في الغرب ومع المشروع الصهيوني على تدميره، لمّا عملوا مجتمعين؛ عربا وعجما، على إسقاط الخلافة الإسلامية، يوم تآمروا عليها، وقبضوا ثمن خيانتهم على شكل حظائر صنعتها لهم اتفاقية سايكس-بيكو.

إنه الفكر الذي جاء ليدمّر مشروعهم الخائن لله وللرسول، ذلك المشروع التخريبي الذي وضع أسسه الاحتلال الغربي، ووظّف عليه رؤساء وملوكا وأمراء من العرب والمسلمين.

إنه الفكر الذي صنع رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، رغم القهر والملاحقة والتضييق وسفك الدماء والسجن والافتراء والتشويه.

إنه الفكر الذي أحيا في نفوس الناس معاني العزة والإباء والأنفة والرجولة والبطولة، وأعاد للناس هويتهم وانتماءهم الحقيقي لهذا الدين، ولهذه الأمة.

إنه الفكر الذي ربط الناس بكتاب الله العزيز، وجعله منطلقا لمنهاج حياتهم، بعد أن حوّله هؤلاء إلى تمائم ورقًى وتلاوة في المآتم.

إنه الفكر الذي أعاد للسنة النبوية المطهرة مكانتها في حياة الفرد والمجتمع، بعد أن جعلها هؤلاء تراثا قديما لا يصلح لعصر الغرب المتوحش.

إنه الفكر الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مدار ولاء الناس ومحبتهم، بعد أن أخفاه هؤلاء من حياة الناس، واستبدلوه بالملك والرئيس والأمير.

إنه الفكر الذي دفع الناس دفعا إلى طلب العلم الذي هو مجد الأمة، بعد أن عمل هؤلاء على تجهيل الناس كيما يتمكنوا من السيطرة عليهم.

إنه الفكر الذي جاء ليقول للناس: إن ثروات الأمة للأمة، وإن مقدرات الأمة لأبنائها، بعد أن عمل هؤلاء على إفقار الناس وتجويعهم، حتى لا يفكروا إلا في إشباع بطونهم.

إنه الفكر الذي حارب الخوف واليأس والقنوط في قلوب الناس، بعد أن زرعه هؤلاء فيها، ليُحكِموا قبضتهم عليهم.

إنه الفكر الذي دعا إلى الحرية والانعتاق من التبعية، بعد أن ربط هؤلاء مصير الأمة وشعوبها بواشنطن وموسكو وعواصم أوروبا وتل أبيب.

إنه الفكر الذي علّم الناس أنه لا يوجد شيء اسمه مستحيل، بعد أن غرس هؤلاء في عقول الناس أن تغيير واقعهم من سابع المستحيلات، وأن النجاة، وأن الخير كل الخير في أن يسيروا في تلم الغرب والشرق.

هذا هو “الفكر التدميري” الذي جاء به الإخوان المسلمون، والذي يريد عادل الجبير وأسياده من رعاء الشاء أتباع رعاة البقر القضاء عليه!

أما شركاء الجبير وأسياده في المنطقة، فإن الجواب ما ترى لا ما تسمع. إنها أنظمة العار الذليلة التابعة الخاضعة الخانعة، التي تدور في فلك الماسونية والمسيحية الصهيونية والمشروع الصهيوني، في بلاد الحرمين المختطفيْن، وفي زريبة أولاد زايد، وفي دوْحة قطر، وفي مسقط عُمان الخيانة، وفي منامة آل خليفة في البحرين، وفي مصر العسكر، وفي ليبيا حفتر، وفي عراق الفتنة، وفي بلاد الشام من رام الله إلى دمشق إلى عمّان إلى بيروت، وفي رباط خيل فرنسا في المغرب، وفي جزائر العار، وفي تونس المختطفة، وفي سائر بلاد العرب والمسلمين. ومع هؤلاء، وقبل هؤلاء وبعد هؤلاء، أصحاب مشروع الهيكل الثالث ومملكة إسرائيل الكبرى، ومن ورائهم واشنطن وموسكو ولندن وباريس وبرلين وروما وسائر عواصم الاتحاد الأوروبي.

هؤلاء كلهم هم شركاء الجبير ومليكه وولي عُهره، في حربهم ليس فقط على الإخوان المسلمين، وإنما على الإسلام الذي لا يريدونه أن يحكُم في بلاد المسلمين التي اختطفوها.

ومن هو الإرهابي يا ترى؟ وكيف أصبح الإخوان إرهابيين؟ وماذا فعلوا حتى يُلصق بهم هذا الوصف؟

إن كان الإرهاب هو إكراه الآخرين على ما يريده الإرهابي، فمن الذي يُكره الناس على ذلك؟ هل سُجّل على الإخوان أنهم أكرهوا أحدا على شيء؟ أليست أنظمة العار، بما فيها حظيرة آل سعود هي التي تُكرِه شعوبها على تأييد سياساتها الإجرامية؟

وإن كان الإرهاب هو قمع الناس وكبت الحريات، فمن الذي يفعل هذا ويمارسه على أرض الواقع؟ هل هم الإخوان، أم نظام حظيرة آل سعود؟

وإن كان الإرهاب هو اعتقال الناس وسجنهم وتعذيبهم لأنهم عبروا عن آرائهم، فمن الذي يعتقل ويسجن ويعذّب؟ هل هم الإخوان أم نظام حظيرة آل سعود؟

وإن كان الإرهاب هو قتل الناس الآمنين، ونشر الرعب في كل مكان، فمن الذي يمارس هذا؟ هل هم الإخوان أم نظام حظيرة آل سعود وحلفائه من العرب والعجم؟

وإن كان الإرهاب هو دكُّ البيوت فوق رؤوس أصحابها، وسفك دماء النساء والأطفال والشيوخ، فمن الذي يمارس هذا فعلا؟ هل هم الإخوان أم نظام حظيرة آل سعود، وأمثاله في مصر وسوريا والعراق وغيرها؟

وإن كان الإرهاب هو تنفيذ الاغتيالات السياسية، فمن الذي ينفذها؟ هل هم الإخوان أم نظام حظيرة آل سعود، وأمثاله من أنظمة العار العربية، وشركائهم في أمريكا وأوروبا وروسيا والصين والهند وتل أبيب؟

وإن كان الإرهاب – كما في القاموس اللاتيني-هوم استهداف المدنيين الأمنين، فمن الذي يستهدفهم؟ هل هم الإخوان أم نظام حظيرة آل سعود وأمثالهم من أنظمة العار في مصر وسوريا وليبيا والعراق، وشركائهم في واشنطن وموسكو وبكين وتل أبيب والعواصم الأوروبية؟

وإن كان الإرهاب هو استخدام العنف لتحقيق الأهداف، فمن الذي يستخدم العنف يا ترى؟ هل هم الإخوان أم نظام حظيرة آل سعود، الذي يعتقل العلماء والنساء والمطالبين بالحرية، ويمارس العنف الإجرامي في اليمن لتحقيق أهاف سياسية؟

  ما هو الإرهاب إذًا يا جبير؟

إنه قتل الملايين من المدنيين بآلة الحرب الفتاكة، التي استخدمتها دول أوروبا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، والتي استخدمها الاستعمار الغربي في بلاد المسلمين، فقتل من خلالها ملايين الأبرياء في الجزائر وفي تونس وفي ليبيا وفي فلسطين وفي سوريا وفي العراق وفي مصر وفي اليمن وفي المغرب وفي لبنان وفي أفريقيا.

إن الإرهاب هو ما مارسته أمريكا من قتل الأبرياء في حربين كونيتين شنتهما ضد العراق، وفي استخدامها للقنابل الذرية ضد هيروشيما ونكازاكي في الحرب العالمية الثانية، وفي جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وفي جرائم عصابة آل الأسد ضد الشعب السوري، وفي جرائم الخائن السيسي ضد الشعب المصري، وفي جرائم خليفة حفتر، وقبله الهالك القذافي ضد الشعب الليبي… والقائمة طويلة لا تنتهي…

فأين الإخوان المسلمون من هذا يا جبير؟

ولقد قيل قديما: إن الحماقة أعيت من يداويها، وإن الغباء جندي من جنود الله يسلّطه على أهله حتى يسقطوا وتنكشف عوراتهم.

يظن هؤلاء الحمقى أن الإخوان المسلمين مجرد مجموعة من الناس سينتهي زمانهم إذا ما سُجنوا أو قُتلوا أو شُرّدوا، أو شوهت سمعتهم، أو افتُري عليهم، أو أخرَجوا لهم علماء السوء من مشايخ السلاطين كي يذموهم أو يلعنوهم أو يفتروا عليهم الكذب.

وقد نسي هؤلاء أن الإخوان فكرة، وأنها فكرة وُلدت من رحِم الإسلام؛ من القرآن ومن سنة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، وأن الفكرة لا تموت بموت حامليها أو اختفائهم أو إخفائهم عن الأنظار، ذلك أن الإسلام لا يموت حتى تفنى الأرض ومن عليها.

نسي هؤلاء أو تناسوا أن هذه الفكرة إنما قدَّر الله لها أن تولد حتى يبقى الإسلام حاضرا في حياة الناس، بعد أن حاربه هؤلاء بتآمرهم على الخلافة العثمانية منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وأنها فكرة باقية إلى أن يعود للأمة مجدها، وينتهي عصر الحكم الجبري الذي يمثله هؤلاء، وتكون خلافة على منهاج النبوّة، كما بشّرنا صلى الله عليه وسلم.

وظنّي أنه لو قدَّر الله وظهر خليفة آخر الزمان اليوم، فإنهم سيكونون أول من يشن عليه الحرب، وسيسارعون قبل أسيادهم في واشنطن وتل ـ أبيب إلى نعته بالإرهاب.

إنهم هم الذين يستقبلون القتلة في ديار المسلمين، ليس فقط على صورة فرق رياضية في الدوحة ودبيّ، بل على شكل لقاءات سياسية في مسقط، وذلك في الوقت الذي كان هؤلاء “الأشقاء” يمارسون هواية القنص على أجساد أطفال غزة. فهل يمكن أن يصلُح أمر هذه الحفنة المارقة بعد اليوم؟

إنكم يا جبير حفنة من العملاء، تساهمون – كما ساهم أسلافكم-في التمكين للصهيونية العالمية، كي تحقق مشروعها الأكبر ببناء الهيكل المزعوم، وإنشاء مملكة إسرائيل الكبرى في أرض المسلمين، والتي يزعمون أن أميرهم سيحكم الدنيا منها.

ونحن لا نقول هذا جزافا. ففي سنة 1915 أقر العبد البريطاني عبد العزيز السعود، مؤسس الحظيرة لليهود بفلسطين، في وثيقة معروفة قال فيها: “أنا السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل السعود أقر وأعترف للسيد برسي كوكس، مندوب بريطانيا العظمى؛ لا مانع عندي من أن أعطي فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم، وكما تراه بريطانيا التي لا أخرج عن رأيها حتى تصيح الساعة”. وكان عبد العزيز هذا يقبض راتبا شهريا بمبلغ خمسة آلاف جنيه استرليني من حكومة بريطانيا، وهناك رسائل موثقة بهذا الخصوص، وقد أقر ابنه الأمير طلال بن عبد العزيز بهذا في مقابلة مع قناة “الجزيرة” قبل سنوات. وكل ذلك من أجل التمكين للمشروع الصهيوني في فلسطين. وفي مطلع 1919 وقع الأمير فيصل بن الحسين بن علي (الذي أصبح ملكا على العراق لاحقا\ ح.أ.) اتفاقية عار مع حاييم وايزمان (الذي أصبح لاحقا أول رئيس للكيان الصهيوني الجديد)، تتضمن ما يلي: “عند إنشاء دستور إدارة فلسطين (التي كانت تحت الاحتلال الانجليزي \ح.أ.) تُتخذ جميع الإجراءات التي من شأنها تقديم أوفى الضمانات لتنفيذ وعد الحكومة البريطانية المؤرخ في اليوم الثاني من نوفمبر 1917 (وعد بلفور\ ح.أ.). وهذا فقط غيض من فيض الخيانات من أنظمة العار التي خانت ولاءها لله وللرسول ولخليفة المسلمين، وسلمت رقبتها لبريطانيا، ومكنت للمشروع الصهيوني، مقابل مُلك زائل وحفنة من مال حرام.

فهنيئا لكم هذه الأحلاف، وهنيئا لكم هذا المصير. “كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ” (المرسلات: 46).

فاعمل يا جبيرُ أنت وأسيادُك وأسيادُ أسيادك ما شئتم، وأنفقوا أموالكم لقتل المسلمين، ودعم أعداء الأمة والدين، فإنها ستكون عليكم حسرة، وإنكم لن تعْدوا قدْركم، ولن تفرُّوا من قدَرِكم. وإن قدَرَكم أن تكون نهاياتكم أسوأ مما تتخيلون، وسيزول مجدُكم الزائف كما زال مجدُ مَن قبلكم، ولن يبقى لكم في التاريخ مكانٌ إلا مزابلُه، وسيطالكم دعاء المظلومين، ولن ينجيَكم يومئذ من قصاص الشعوب من يزعُم أنه يحميكم، أما قصاص الآخرة فإن الله تعالى قد أعد للظالمين ما أعدّ لهم؛ “وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا” (الفرقان: 37).