عن الذات الحضارية وأشياء أخرى.. ظاهرة الفالانتاين نموذجاً

عن الذات الحضارية وأشياء أخرى.. ظاهرة الفالانتاين نموذجاً

أحمد طه- كاتب وباحث مصري
قال المُفكِّر الراحل الكبير مالك بن نبي في كتابه “مشكلة الثقافة” : “لا يُمكن لنا أن نتصوّر تاريخاً بلا ثقافة، فالشعب الذي يفقد ثقافته يفقد حتماً تاريخه، فهي الوسط الذي تتكوّن فيه جميع خصائص المجتمع المتحضِّر، وهي الوسط الذي تتشكّل فيه كل جزئية من جزئياته تبعاً للغاية العليا التي رسمها المجتمع لنفسه، بمن في ذلك الحدّاد، والفنّان، والراعي، والعالِم، والإمام، وهكذا يتركّب التاريخ، فالثقافة هي تلك الكتلة نفسها بما تتضمّنه من عادات متجانسة، وعبقريات متقاربة، وتقاليد متكاملة، وأذواق متناسبة، وعواطف متشابهة، وبعبارة جامعة “هي كل ما يُعطي الحضارة سمتها الخاصة ويُحدّد قطبيها من عقلية ابن خلدون و روحانية الغزالي، أو عقلية ديكارت و روحانية جان دارك، هذا هو معنى الثقافة في التاريخ”.
عرف العالم العربي في السنوات الأخيرة، ظاهرة الاحتفال بما يُسمى بـ”الفالانتاين” أو “يوم الحبّ”، حيث بدأت تلك الظاهرة في الظهور منذ نحو عقديْن، كأحد تجليّات “العولمة”، وهي آخذة في الانتشار عاماً بعد الآخر، وهي ظاهرة تحمل دلالات اجتماعية، وحضارية، تستحقّ التوّقف والتحليل.
فتكاد تلك الظاهرة أن تصل إلى درجة “الهوس” في الأجيال الجديدة، بسبب حالة الاستنفار الإعلامي، ذات الصبغة “الفالانتاينية”، الملّحة على المتلقي بضرورة ممارسة “الفنتلة” عبر “طقوس” استهلاكية بعينها في هذا اليوم، فمن مظاهره تبادل الهدايا من الورود والقلوب الحمراء، إلى الرسائل العاطفية النصيّة والإلكترونية.
بادئ ذي بدء تخصيص يوم بعينه من أجل الاحتفال بالحُبّ، من شأنه تقديم صورة مادية اختزالية، وأسطورية عنه، منبتّة الصلة بالواقع الإنساني، إذ يتخذ الاحتفال بتلك المناسبة، شكلاً “استهلاكياً تفكيكياً، مركزه السلعة وليس العاطفة الإنسانية (وفقاً لتعبير المُفكّر الراحل الكبير عبد الوهاب المسيري)، ومن جهة أخرى تساهم تلك الصورة في ترسيخ صورة ذهنية مشوّهة عن عاطفة الحُبّ، في العقل الجمعي للأجيال الجديدة، وهو ما يؤدي إلى صدمات كبيرة في المستقبل، لاتساع الفجوة بين الواقع الإنساني، وتلك الصورة الطوباوية الاختزالية، التي يقدّمها الإعلام عن العاطفة، عبر الإنتاج الفنّي السينمائي، والدرامي، والغنائي، والذي يشكّل في مجمله الرافد الأساسي الذي يستقي منه الشباب تصورّاتهم عن العلاقة العاطفية، وهو ما جعل الكثيرون يخلطون بين الحُبّ كعلاقة روحية عاطفية سامية، وبين الرغبة الجسدية، جرّاء ما ترّسخ في عقلهم الجمعي عن الحُبّ، بوصفه تعبيراً عن الغريزة، وفقاً للصورة الرديئة التي يقدّمها إنتاج فنّي معظمه دون المستوى.
يُعدّ الحديث عن الحبّ من التابوهات المجتمعية المغلقة، فقد ساهم الفهم الخاطئ للدين، وانتشار روح التنطّع والتشدّد، وسيادة الثقافة المحافظة المنغلقة بمجتمعاتنا، في خلق صورة مشوّهة عن العاطفة، حيث تنظر العقليات المُتنطّعة بعين الريبة إلى العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة، كعلاقة غير حميدة، تمثّل تهديداً للمنظومة الأخلاقية، باعتبارها مرادفاً للانحلال الأخلاقي، وممهّدة لطريق الفجور والمجون!.
لو أنّ ولداً وأتته الشجاعة وسأل أبيه عن الحُبّ، لكان نصيبه ،غالباً، وابلاً من التقريع والتوبيخ، وربّما تطوّر الردّ إلى “علقة ساخنة”، أمّا لو صدر السؤال من بنت ولو لأمّها، لحدث ما لا يُحمد عقباه، باعتبار أنّ سؤالاً كهذا، يحمل ميولاً ضمنية للرقاعة والخلاعة!.
الطريف أنّ أسلافنا من السابقين في عصور ماضية، كانوا أكثر انفتاحاً وبمراحل كبيرة، عن عصرنا الذي تقاسم الهيمنة على صدارته، كلٌّ من روّاد التهتّك والانحلال، ودعاة التنطّع والانغلاق.
فيكفي هنا أن نذكر أن رجلاً بقامة الإمام ابن قيّم الجوزية، صاحب المؤلّفات الأصولية الشرعية قد ألّف كتاباً كاملاً عن الحبّ بعنوان: “روضة المُحبين ونزهة المُشتاقين” تحدّث فيه باستفاضة عن الحُبّ العفيف، وعلاماته، وأنواعه، ودرجاته، كما أنّ الإمام ابن حزم الأندلسي له كتابه الشهير “طوق الحمامة” الذي تضمّن تحليلاً دقيقاً للعاطفة الإنسانية في إطار بالغ الاحترام، ممّا جعل منه سِفراً شديد الأهمية على المستوى العالمي، حيث تولّت منظمة “اليونسكو” ترجمته إلى نحو 42 لغة، كان آخرها ترجمته إلى اللغة اليابانية وفق الراحل الكبير الطاهر مكي.
ومن جانب آخر يجبّ أنّ نتوّقف عند نقطة “أيقنة” الحُبّ، بقصّة القدّيس “فالانتاين”، التي وقعت في سياق اجتماعي وحضاري يختلف عن سياقنا، في حين أنّه لم توجد أُمّة في التاريخ، يزخر تراثها بكلّ هذا الكمّ من قصص الحُبّ العُذري المُلتهبة، والتي أفرزت أعذب الأدب بلونيْه المنظوم والمنثور، مثل أمّتنا وتراثها الضخم الهائل، وما يحمله من قصص أسطورية جمعها العلّامة الراحل الكبير شوقي ضيف في كتابه “الحُبّ العُذري عند العرب” مثل: قيْس وليلى، وقيْس ولُبنى، وجميل وبثينة، وكُثيّر وعزّة، والقسّ وسلّامة، وعروة وعفراء، والعبّاس و فوز ،ومالك وظريفة.

فقد اتسمت كل تلك القصص بدرجة عالية من الرومانسية، وبمستوى سامق من السمّو العاطفي، بما حملته من مشاعر وأحاسيس متوّهجة، دون الوقوع في خطيئة أو إثم، جعلت منها أساطيرَ حقيقيةً، وتمخّض عنها إنتاجٌ أدبيٌ رفيعٌ بديعٌ في تصوير عواطف القلب وأشواقه، لا غرائز الجسد وأدرانه، أدب عفيف راقٍ غاية في الرقي والروعة والجزالة، بعيد كلّ البُعد عن الابتذال والقبح والإسفاف، ولا نبالغ كثيراً إذا قلنا أنّ كل ما كُتب عن الحُبّ في اللغات الأخرى مجتمعة، لا يعدل في قوّته و رصانته، قصيدة واحدة للمجنون، أو لجميل، بل ربّما لا يعدل بيتاً واحداً منها(!).
لكن العجيب والغريب بحقٍّ، أنّ هذه الأمّة التي يحمل تاريخها تراثاً عاطفياً رفيعاً بمستوى كهذا، لا نظير له في تراث الأمم الأخرى مجتمعة، قد أعرضت عنه، وألقته وراء ظهرها، واتخّذت من قصّة “الفالانتاين” مثلاً يُحتذى، وجعلت منه “أيقونة” للحُبّ(!).
وهو ما يحمل دلالات لا تخفى، على حالة الاستلاب الثقافي والحضاري ،التي تُهيمن على كثيرين في مجتمعاتنا، ويغرسونها في الأجيال الجديدة، فكما قال ابن خلدون قديماً: “إنّ المغلوب مولَعٌ أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره، و زيّه، ونحلته، وسائر أحواله”.
فارقٌ كبيرٌ جداً بين الانفتاح الحضاري على الآخر، القائم على التعامل معه بنديّة، وأخذ ما يتسق مع نماذجنا المعرفية والحضارية، ومع ذاكرتنا وتاريخنا، و وعينا القيمي، وبين حالة التبعية الإدراكية والانسحاق الحضاري، التي تدفع بعضنا إلى تقليد الآخر في كلّ صغيرة، وكبيرة دون أدنى تمييز.
حيث كانت البداية ب “الفالانتاين”، ثمّ امتدت في السنوات الأخيرة إلى مناسبات أخرى، خارجة تماماً عن سياق تشكيلنا الحضاري، ولا تمتّ له بأدنى صلة، بل ولا تحمل أي قاسم مشترك قيمي أو إنساني لنا مع النماذج الحضارية التي تمثّلها، حيث ظهرت ببلادنا مؤخراً ظواهر أخرى، مثل الاحتفال ب”الهالوين”، و”عيد الشكر”، وأخيراً black Friday””.
كان الرعيل الأول من الحركة الوطنية المصرية، يرى قضية التحرّر الوطني قضية حضارية في المقام الأول، حيث ارتبط التحرّر الوطني في خطابه، ارتباطاً وثيقاً بالتحرّر الحضاري ، فلا يحمل همّ الوطن إلا الأحرار بالمعنى الثقافي والفكري أو المتحرّرون من الانسحاق الحضاري.
فقد قال الزعيم الوطني العظيم مصطفى كامل باشا: “نحن مصريون ويجب أن نبقى كذلك، ولكل أُمّة مدنيّة خاصة بها، فلا يليق بنا أن نكون قِرَدة مقلّدين للأجانب تقليداً أعمى، بل يجب أن نحافظ على الحَسَن من أخلاقنا، ولا نأخذ عن الغرب إلا فضائله”.
قد يرى البعض أنّ هذا التحليل يحمل تهويلاً أو تضخيماً لأمور عادية، ولكن واقع الحال يقول أن الإفراط في التقليد، عبر استيراد عادات اجتماعية خارجة عن نموذجنا الحضاري، تؤدي في النهاية وعلى المدى الطويل، إلى خلق أدمغة مُستعمَرَة ومجتمع ممسوخ، تهيمن على عقله الجمعي حالة من “الإمبريالية النفسية” وفق تعبير المسيري، تجعل منه تابعاً لغيره، فالإنسان لا يُبدع إلى إذا نظر للعالم ب”منظاره” هو وليس ب”منظار الآخرين” ، كما أنها تخلق أجيالاً تشعر بحالة من الاغتراب عن تاريخها، والتنكّر لذاتها الحضارية، فالعادات الاجتماعية من شأنها تشكيل ملامح الشخصية الحضارية للمجتمع، وحماية الذات الحضارية من حملات التذويب، جزء لا يتجزّأ من الاستقلال والتحرّر من التبعية، فالاستعمار يبدأ نفسياً حضارياً ،قبل أن يكون مادياً أو عسكرياً.
كتب مصطفى صادق الرافعي، منذ عقودٍ مقالاً رائعاً كان عنوانه: (اللغة والدين والعادات باعتبارها من مقوّمات الاستقلال) اختتمه بقوله: “ومتى صدقت الوطنية في النفس أقرّت كل شيء أجنبي في حقيقته الأجنبية، فكان هذا هو أول مظاهر الاستقلال، وكان أقوى الذرائع إلى المجد الوطني، وباللغة والدين والعادات، ينحصر الشعب في ذاته السامية بخصائصها ومقوّماتها، فلا يَسهُل انتزاعه منها ولا نسفه من تاريخه، وإذا ألجئ إلى حالٍ من القهر لم ينخذل ولم يتضعضع، واستمرّ يعمل ما تعمله الشوكة الحادّة: إن لم تُترَك لنفسها، لم تُعطِ من نفسها إلا الوخز”.