رصاصات الغدر

رصاصات الغدر

الشيخ كمال خطيب

كان ذلك في الساعة الثامنة والثلث من مساء يوم السبت 11\شباط\1949، الموافق لبعد غد قبل 69 عام، حين قام شخص بإطلاق النار من مسدس على الإمام الشهيد حسن البنّا، المرشد الأوّل لجماعة الإخوان المسلمين، وذلك في شارع رمسيس، أحد أشهر شوارع القاهرة.

نُقل الإستاذ حسن البنّا إلى المستشفى، وكانت الإصابة غير خطرة، حتى أنّ الإمام البنّا أعطى لرجال الشرطة رقم السيارة التي فرّ بها المجرم، وكانت تحمل رقم “9979”، وقد خلع ملابسه للعلاج بنفسه، لكنه وضع في غرفة لوحده وتُرك ينزف، ورجال الشرطة على مدخلها يمنعون الطبيب من تقديم العلاج له حتى فاضت روحه الساعة الواحدة ليلًا، وأصرّ نظام الملك فاروق، المحروس من الإنجليز بدفنه بواسطة مجموعة نساء فقط، بدون أيّ رجل ولا جنازة، وكان ذلك في الساعة التاسعة من صباح الإثنين 12\شباط\1949.

لقد جاء قرار اغتيال الإمام حسن البنّا كما تبيّن لاحقًا بقرار من الملك فاروق نفسه، بأوامر من الإستخبارات البريطانيّة التي كانت هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في مصر يومها، وذلك استمرارًا للعقوبة، ولتدفيع الثمن لجماعة الإخوان المسلمين وموقفها بل ودورها في محاولة إفشال خطة مشروع إقامة الدولة لصهيونية على أرض فلسطين، خلافًا لدور الأنظمة العربية العميلة، فكانت الخطوة الأولى هي اعتقال وسجن آلاف المتطوعّين من شباب الإخوان المسلمين العائدين من جبهات القتال في منطقة غزة وبئر السبع والخليل وبيت لحم وصور باهر، ثم كان قرار حظر جماعة الإخوان المسلمين وسحب الإعتراف بها كجماعة قانونيّة في مصر، واعتبارها تنظيما إرهابيًا واعتقال قادتها ومكتب ارشادها، وكان ذلك يوم 8\12\1949، ثم كانت الخطوة الثالثة والتي كانت مسألة وقت حيث تمّ إبقاء الأستاذ حسن البنّا طليقا ولم يُسجن ليتم اغتياله، وهذا ما كان يوم 11\2/1949، أيّ بعد بضعة أشهر من نكبة فلسطين وتهجير أهلها وإعلان قيام الدولة العبريّة يوم 15\5\1948.

أصحاب الأيدي المتوضئة

جماعة الإخوان المسلمين التي أنشأها الإمام حسن البنّا عام 1928 وقُتل هو عام 1949 ولم يبلغ من العمر يومها إلا 42 سنة، هذه الجماعة قامت على أساس الوطنيّة الصادقة والإنتماء العروبي الأصيل، وكل ذلك ضمن الفهم والهويّة الإسلامية الشموليّة، فمع بدايات انطلاقة مشروعها، واذا بصخب المؤامرة على الشعب الفلسطيني وقضيته تملا فضاء العرب والمسلمين، وإذا بالإمام البنا يبدأ بتصويب البوصلة نحو قضية فلسطين، فكانت جملته المشهورة “أيّها الإخوان، لا يهمّكم ما يجري في مصر، فإنّ مهمتكم هي مقاتلة الصهيونيين، وما دام في فلسطين صهيوينيّ واحد، فإنّ مهمتكم لم تنته” وهو القائل كذلك “سوف نعلّم أولادنا الحرية والوطنيّة كما نعلمهم السورة من القرآن”.

ويصوّر أديب العربيّة الكبير الأستاذ مصطى صادق الرافعي في كتابه الشهير “وحيّ القلم” قصة تفاعل وتفاني شباب الإخوان المسلمين في إثارة الشعب المصري للدفاع عن فلسطين قُبيل أحداث عام 1948، وكيف بدأوا بالتحرّك لجمع التبرعات لشراء العلاج وحشد الرأيّ العام المصري، وبيان عدالة هذه القضيّة. إنه يكتب قصته الشهيرة التي أسماها “قصة الأيدي المتوضئة” ويقصد فيها أيادي شباب الإخوان المسلمين، ولم يكن هو منهم، ويروي كيف رأى وسمع خطبة جمعة باهتة كان حاضرًا فيها، خطبها أحد موظّفي وزارة الأوقاف، فيقول عنها “وصعد الخطيب المنبر، وفي يده سيفه الخشبيّ يتوكّأ عليه، فلما استقرّ في الذروة ختى خُيّل إليّ أنّ الرجل قد دخل في سرّ هذه الخشبة، فهو يبدو كالمريض تقيمه عصاه وكالهَرِمِ يمسكه ما يتوكأ عليه، ونظرت فإذا هو كذبٌ صريح على الإسلام والمسلمين كهيئة سيفه الخشبيّ في كذبها على السيوف، ومعدنها وأعمالها، وتالله ما أدري كيف يستحلّ عالمٌ من علماء الدين الإسلامي في هذا العصر أن يخطب المسلمين في خطبة جمعتهم وفي يده هذا السيف علامة الذلّ والضّعة والتراجع والإنقلاب والإدبار والهزل والسخرية والفضيحة والإضحاك، ومتى كان الإسلام يأمر بنجر السيوف من الخشب ونحتها وإرهاف حدّها الذي لا يقطع شيئا، وهل في سيف الخشب معنىً غير معنى الذل والسخافة ومسخ التاريخ الفاتح المنتصر، والرمز لخضوع الكلمة وصبيانية الإرادة؟”

ثم يصوّر أديب العربية الأستاذ الرافعي كيف أنه وبعد انتهاء الخطبة الرسمية قام شباب ليخطبوا في الناس لنصرة فلسطين حيث الفارق الكبير بين خطاب هؤلاء الشباب وبين خطبة إمام وزارة الأوقاف، فقال “ولمّا قضيت الصلاة ماج الناس إذِ انبعث فيهم جماعة من الشبّان يصيحون بهم، يستوقفونهم ليخطبوهم ثمّ قام أحدهم فخطب فذكر فلسطين وما نزل بها وتغيّر أحوال أهلها ونكبتهم وجهادهم واختلال أمرهم، وتقدّم أصحابه بصناديق مختومة وطافوا بها على الناس يجمعون فيها القليل والأقلّ  من دراهم هي في هذه الحال دراهم أصحابها وضمائرهم”، ثم يقول الرافعي على لسان رجلٍ قرويّ كان في المسجد “إنّ هذا الخطيب، خطيب المسجد قد غشّنا وهؤلاء الشبّان قد فضحوه، فما ينبغي أن تكون الخطبة إلا في أخصّ أحوال المسلمين”. إنها شهادة شرف من أديب العربيّة، الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في بيان الفارق الكبير بين من ربّاهم حسن البنّا وبين من فهموا الإسلام الفهم السطحي الساذج بل والمشوّه.

هؤلاء هم الأخوان

لقد ملأت قضية فلسطين على الإخوان المسلمين كل حياتهم منذ بداية نشأتهم، حتى أنهم وخلال ثورة الشهيد عزّ الدين القسام، فقد تسلّل بعض الشبّان المصريين من جماعة الإخوان المسلمين للإنضمام إلى حركة الجهاد معه كما ذكر ذلك الدكتور كامل إسماعيل الشريف في كتابه “الإخوان المسلمون في حرب فلسطين” ، ويصوّر غيره كيف كانت مراكز التطوّع المصرية لدعم الجهاد في فلسطين قبيل نكبة 1948 تشهد ازدحامًا كبيرا للعطاء، حتى أنّ من الناس من لم يستطع الخروج للجهاد والانضمام لكتائب متطوعي الإخوان المسلمين، فإنّه كان يأتي بثمن دراجته وقد باعها ليقدّم ثمنها البسيط لدعم كتائب المتطوعين وكيف أنّ فلاحًا من الصعيد قد باع جاموسته التي يعتمد عليها في معيشته، ليتقدّم بثمنها من أجل دعم هذه الكتائب. وليس هذا وحسب، فها هو الدكتور حسّان حتحوت وقد أصبح فيما بعد أشهر أطباء مصر في تخصص طبّ النساء والتوليد، فيحدّث عن شبابه المبكّر وانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، وقد خرج للتطوّع في الدفاع عن فلسطين، فيقول في كتابه “العقد الفريد، 10 سنوات مع الإمام حسن البنّا”، حيث يقول في الصفحة 54 (وجدير بالذكر أنني لما أعلنت عزمي على التطوع في فلسطين، عارضني أهلي وأصدقائي وأساتذتي في الكليّة، ما عدا والدتي التي قالت “أهو دا الواجب اللي مقدرش أمنعك عنه” وكان أن طلب الهلال المصري من الإمام الشهيد حسن البنّا -كما يقول الدكتور حسّان- ثلاثة أطباء من شبّان الإخوان لاستلام المستشفى الميداني الذي أقامه الهلال الأحمر المصري قرب الرملة، فكان أن انتدب الإمام البنّا لتلك المهمة الدكتور حسان حتحوت والدكتور أحمد الملط والدكتور أحمد سعيد خطّاب، ولم يكن الأخير من الإخوان، ولكنه أصرّ أن يكون معهم للذهاب إلى فلسطين، حيث تسلّموا إدارة المستشفى الميداني هناك.

الدكتور حسّان حتحوت كان جرّاحا كبيرًا وشاعرًا مرهفًا، فقال بعد أن تبيّنت معالم الخيانة العربية والتآمر العربي الرسمي على فلسطين:

هذي فلسطين وقد طال الزمان بها… ولم تزل تشتكي قيدًا وقضبانا

قضيةٌ كسراب الماء مزمنة… كما استغلّ محامونا قضايانا

قميص عثمانٍ كلّ يدّعيه فيا… ويح القميص المعنّى، ويحَ عثمانَ

ليلى: تعدّدت الأقياس نائحةً… وكلّ قيسٍ على ليلاه غنّانا

ففي الوقت الذي كان شباب جماعة الإخوان المسلمين يقدّمون أرواحهم للدفاع عن فلسطين، وكانوا يبيعون ما تملكه أيديهم ليقدّموه لشراء السلاح للمتطوعين والمجاهدين لنصرة فلسطين، في موازاة ذلك كان قياديّون من الفلسطينيين الشيوعيين يعملون ويخطّطون لشراء وتوريد السلاح من بلاد التشيك “بما يعرف بصفقة السلاح التشيكية” ليقدّموه للعصابات الصهيونية التي كانت تقوم بتهجير وقتل أبناء شعبنا.

وشهد شاهدٌ من حيفا

لأنهم آمنوا بآنّ حبّ الأوطان من الإيمان، فقد تقدّم الإخوان المسلمون حين تراجع غيرهم وأدّوا ضريبة انتمائهم للمشروع الإسلاميّ الشموليّ، حين اعتبر البعض أنّ الاسلام هو تعويذات جوفاء وتمتماتٌ تجترّها الألسن، واعتكافات في وزايا المساجد.

ليس أنّهم قد سخّروا امكاناتهم للدفاع عن الأوطان عامة وفلسطين خاصة، كما فعل إخوان مصر وسوريا والأردن، بل إنّهم اخوان فلسطين ورغم أنها كانت بدايات متواضعة للإخوان في فلسطين، إلا أنها ومنذ تلك البدايات، فإنها كانت تشير إلى عطاء بلا حدود وإلى هوية وطنية صادقة، وإلى شراكة مع كل من أراد الدفاع عن فلسطين، فها هي الوثيقة التي نشرتها جمعية الدراسات العربية والتي تظهر بشكل واضح مشاركة الإخوان المسلمين في مدينة حيفا معركة الدفاع عنها وعن فلسطين في مواجهة العصابات الصهيونية، حيث تنصّ الوثيقة على ما يلي: “الهيئة العربية العليا تدعوا حضرتكم لحضور المؤتمر القومي الذي ستعقده في قاعة جماعة الإخوان المسلمين بحيفا، في الساعة العاشرة قبل ظهر يوم الأحد، الواقع في 17 شعبان سنة 1366هـ، والموافق 6 تموز 1947 لبحث الوسائل الفعّالة لإنقاذ الأراضي المهدّدة بالخطر وتنظيم مقاطعة الإنتاج الصهيوني والتجارة اليهودية”.

نعم، في الوقت الذي كان غيرهم يسمسر ويتطوّع لجلب السلاح للعصابات الصهيونية، كان الإخوان المسلمون يتطوّعون بل ويتقدّمون الصفوف للدفاع عن فلسطين والذود عن حياضها.

إنّهم الإخوان المسلمين، حُلّت جماعتهم وقتل برصاص الغدر مرشدهم الأول حسن البنّا على يد عملاء الانجليز، وهم أنفسهم الإخوان المسلمين تحلّ جماعتهم ويعتقل عشرات الآلاف منهم، ويعدم على حبل المشنقة مفكرهم الشهيد سيّد قطب على يد جمال عبدالناصر عميل روسيا، وها هم الأخوان المسلمين تحلّ جماعتهم ويعتقل عشرات الآلاف منهم وفي مقدّمتهم الرئيس الذي انتخبه المصريون، الدكتور محمد مرسي، ثم يذبح ويقتل منهم المئات على يد السيسي عميل أمريكا وإسرائيل، ليظلّ التاريخ يسجل للإخوان بأحرف من نور بأنهم كانوا دائما في صفّ شعوبهم وأمتهم، بينما كان كارههوهم وقاتلوهم في صفّ وخندق الأعداء، بريطانيا، روسيا، أمريكا وإسرائيل.

وفي ذكرى اغتيال الإمام الشهيد حسن البنّا، ما تزال الأمّة تعيش عبق الخيانات يزكم الأنوف، لكنها كذلك تعيش بيارق الأمل ترفرق، وأنوار الفجر تتلألأ، وتملأ الدنيا يقينًا، بأنّ حقّنا سينتصر على باطلهم، وأنّ أبناء الإسلام لن يتركوه فريسة سهلة للأعداء ولعملائهم من أبناء جلدتنا. وإنّ فلسطين كانت وما زالت على عهد ووفاء شرفاء الأمة وأخيارها، أنها أبدًا لن تنسى، وستظلّ البوصلة تتجه إليها ، وفقط إليها وإن حاول تجّار الشعارات أن يجرّوها إلى معارك جانبية.

رحل فاروق وبقي الإخوان، ورحل عبد الناصر وبقي الإخوان، ورحل السادات وبقي الإخوان، ورحل حسني مبارك وبقي الإخوان، وسيرحل السيسي وسيبقى الإخوان بإذن الله.

رحم الله قارءً دعى لنفسه ولي ولوالديّ بالمغفرة

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.